الرأيالعالم

COVID-19: تحدي التعايش!

من مسافة 3.8 مليار ميل (6 مليار كيلومتر)، تبدو جميع مشاكلنا، بما في ذلك جائحة COVID-19، غير ذات أهمية. الكوكب بأكمله مجرد شاحب صغير من الضوء يطفو في ظلام الفضاء. ولكن في الأسفل، الأمور أكبر بكثير! كوكب يزيد عدد سكانه عن 7.7 مليار نسمة وحوالي 4 مليارات منهم محاصرون في منازلهم. لقد تُركنا للتعامل مع مشاكلنا الخاصة، وهذا سبب قوي للتواجد لبعضنا البعض خلال هذه الأوقات الصعبة.

في مثل هذه الأوقات، يحضرني الاقتباس الجميل من كتاب Carl Sagan “Pale Blue Dot”:

“من هذه النقطة البعيدة، قد لا تبدو الأرض ذات أهمية خاصة. لكن الأمر مختلف بالنسبة لنا. فكّر مرة أخرى في تلك النقطة..عليها كل من تحب، كل شخص تعرفه، كل شخص سمعت عنه… مجموع فرحنا ومعاناتنا، آلاف الديانات الواثقة، والأيديولوجيات، والمذاهب الاقتصادية، كل صياد وعلف، كل بطل وجبان، كل خالق ومدمّر للحضارة، كل ملك وفلاح، كل زوجين شابين متحابين، كل أم و أب، طفل متفائل، مخترع ومستكشف، كل معلم للأخلاق، كل سياسي فاسد، كل “نجم”، كل “قائد أعلى”، كل قديس وخاطئ في تاريخ جنسنا عاش هناك – على كومة غبار معلقة في شعاع الشمس.”

هنا في الأسفل، يخوض سكان الأرض صراعًا دائمًا للبقاء في مواجهة كائنات غير مرئية، وأخرى غير حية، أصغر بدرجات من حجم الأرض في الفضاء الكوني الواسع. كان يتطلب الأمر فيلم خيال علمي لإخلاء ساحات روما السياحية من زوارها، وبرج إيفيل وشوارع باريس الليلية من عشاق سحرها. لم يخطر في بال سكان المعمورة أن تقام تراتيل الفصح في ساحة القديس بطرس بدون مشاركة المصلين، وأن تغلق الكعبة أمام الطائفين. لا صراخ يعلو مدرجات كرة القدم الخالية من جماهيرها. أسواق مغلقة وشوارع شبه خالية ومدن كبرى فقدت روح الحياة. شبح التباعد الاجتماعي حلّ ضيفا ثقيلا، إنه الكوفيد-19.

هي ليست الجائحة الأولى التي تصيب البشرية، وفي الغالب لن تكون الأخيرة. في نهايات الحرب العالمية الأولى، أصابت “الانفلونزا الإسبانية” ثلث سكان الكرة الأرضية، وقتلت نحو 50 مليون إنسان على الأقل، أي ما يعادل 10% من إجمالي المصابين بها، ما جعلها الوباء الأكثر فتكًا في التاريخ المعاصر. سبق هذه الانفلونزا بفترات زمنية بعيدة، انتشار وباء الطاعون. في بريطانيا مثلا،  تفشى الطاعون 40 مرة في 300 عام، ظهرمرة تقريبًا كل 20 عامًا من 1348 إلى 1665. ومع كل وباء طاعون جديد ، قتل 20 في المائة من الرجال والنساء والأطفال الذين يعيشون في العاصمة البريطانية. انتهت جائحة الانفلونزا الاسبانية ووباء الطاعون، بوفاة المصابين بها، واكتساب الناجين منها حصانة ضدها، وكان التباعد عن المرضى والمصابين، أحد العوامل التي حدّت من انتشار المرض بعد تفشيه.

كان مرض الجدري مستوطنا في أوروبا وآسيا والجزيرة العربية لقرون، يقتل ثلاثة من كل عشرة أشخاص أصيبوا به، ويترك ندوبًا في الباقين. لكن الدمار الفعلي لهذا الوباء، انتقل في القرن الخامس عشرمع المستكشفين الأوروبيين وأصاب السكان الأصليين في أميركا الذين لم يملكوا بطبيعة الحال مناعة طبيعية ضد الجدري، وقام الفيروس بتقطيعها بعشرات الملايين.
يقول توماس موكايتيس ، أستاذ التاريخ بجامعة دي بول بشيكاغو: “لم يكن هناك قتل في تاريخ البشرية كافٍ لمطابقة ما حدث في الأمريكتين – فقد قضى ما بين 90 و 95 في المائة من السكان الأصليين على مدى قرن”. “المكسيك تنتقل من 11 مليون شخص قبل الغزو إلى مليون.” بعد قرون، أصبح الجدري أول وباء فيروسي ينتهي بلقاح.

حتى تاريخ كتابة هذا المقال، تجاوز عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد الثلاثة ملايين بقليل، منها مليون إصابة في الولايات المتحدة وحدها. جائحة كما الكثير من سابقاتها، وضعت الإنسانية والوجود البشري على المحك. على خلفية انتشار هذا الفيروس، احتدمت حرب من نوع مختلف بين كبرى الدول، للحصول على الكمامات والمعدات الطبية، حرب أسماها أحدهم ” القرصنة المعاصرة”، فيما تدور في الخفاء حرب حقيقة، حرب بحسب صحيفة غارديان البريطانية، تخوضها 35 شركة ومؤسسة أكاديمية في العالم لإيجاد لقاح ناجح يستطيع درء خطرفيروس كورونا.

سنشهد في الفترة المقبلة عودة تدريجية للحياة، ستتخذ فيها الحكومات والدول إجراءات تتماشى مع مواصفات عالم مختلف عمّا قبله، فرضته جائحة كورونا، عالم يتضمّن تغييرات جذرية في الكثير من الوظائف وطرق التدريس، وترتيب الأولويات والعلاقات الدولية والاقتصادية والطبية وحتى الاجتماعية منها. ستحتاج الهيئات العلمية إلى إعادة توجيه دراساتها وأبحاثها؛ استخلاص العبر من هذه الجائحة سيفرض واقعًا مغايرا لا يشبه واقع العالم الذي نعرفه حاليًا.

في الفيلم الذي أخرجه ستيفن سبيلبيرغ عام 2005، War of the worlds، يكافح الأب (طوم كروز) من أجل حماية ولديه ولمّ شملهما مع والدتهما بعد أن تغزو كائنات فضائية الأرض وتدمر المدن بآلات الحرب العملاقة. لكن السرد الختامي للفيلم يشرح أن أجهزة المناعة لدى هذه الكائنات لا يمكنها التعامل مع بلايين الميكروبات التي تعيش على الأرض، وأن البشرية اكتسبت الحق في الكوكب بحكم التعايش بشكل طبيعي مع بقية المحيط الحيوي:”منذ اللحظة التي وصل فيها الغزاة، وتنفسوا هواءنا، أكلوا وشربوا، أصيبوا باللعنة. لقد انتهوا وتحطموا، بعد أن فشلت جميع أسلحة الإنسان، بواسطة أصغر الكائنات التي خلقها الله بحكمته في هذه الأرض. عبر ملايين السنين، اكتسب الإنسان مناعته، وحقه في الحياة وسط مختلف أنواع الكائنات اللانهائية على هذا الكوكب. وهذا الحق هو حق مكتسب برغم كل التحدّيات. لأن الإنسان لا يحيا ولا يموت عبثاّ.”

قد يكون مثيرأ لقلق بعض الناس معرفتهم أن 8 ٪ من المواد الجينية البشرية لا تنشأ من أسلافنا الفقارية ولكن من الفيروسات.عندما يصيب فيروس خلية، فإنه يضيف الحمض النووي الخاص به إلى ذاك الخاص بك. في بعض الأحيان، تكون هذه الفيروسات غير ضارة، وتنتقل إلى الجيل التالي. هذا التعايش البالغ في التعقيد إلى حد التطور، أكسب البشرية القدرة على مواجهة كائنات حية وأشياء غير حية، كالكوفيد 19، وسيستمر..

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: