الرأيدراسات وأبحاثميديا

وسائل الإعلام بين البناء والهدم.

أبعاد الصورة وقوة تأثيرها

“نحنُ نعيش في زمن الميديولوجيا”
ريجيس دوبريه (Le Pouvoir intellectuel en France)
،،

الإعلام اليوم هو المُكنة التي تقود العالم، نحو الوجهة التي يحدّدها صنّاع القرار الأكبر وأصحاب القوة والنفوذ العسكري والسيطرة السياسية والاقتصادية على مستوى القارَّات، تقودها عجلة الصورة، هاته الأخيرة لغة يتقن قراءتها وتصويرها كل أفراد العالم باختلاف أجناسهم وأعراقهم وديانتهم، باختلاف لغاتهم وتوجهاتهم، وعلى تفاوت مستوياتهم الثقافية والفكرية فكل واحد يحسن النظر إلى ما تعرضه الشاشات أمام عينيه، ويفهم ما تحمله الصورة من حمولة دلالية، ضمنها لها الباث الأول صاحب الأهداف الذي يقف وراء مقاصد نشرها وتسويقها عبر الإعلام. وأغلب الثقافات الإنسانية اليوم هي في مواجهة إعصار من الصور والمفاهيم الثقافية والاجتماعية التي تجرّها خلفها وخلف كل ما يشاهده الفرد في وسائل الإعلام، وما يصل إليها من تقاليد وأفكار المجتمعات الأخرى، وكلّ هذا يحدث في نمط متسارع ومليء بالضغوطات والتحديات، نظرا لسرعة إنتاج الصور وانتشارها، وهو ما يفرض على صنّاع القرار في مجتمعاتنا العربية أن يقفوا وقفة الدّارس المتمعِّن لحال الساحة الإعلامية وما يرد إليها من غزو ثقافي قد يؤّثر سلباً على نسق مجتمعنا إن لم يوضع تحت مجهر المراقبة والتوجيه، فمثلا ليس بالضرورة أنّ كل ما يرد إلينا من القارة الأوروبية أو الأمريكية، هو صورة للتقدّم والتحضّر الإنساني، فهناك من الأمور ما يتنافى مع عاداتنا وتقاليدنا ومعتقداتنا الدينية، فينبت كالسّوس في الضرس، لينخر في أساستنا الفكرية ويعمل على تشويهها وينعكس ذلك على عقلية جيل اليوم وجيل الغد، فينشأ لنا جيلا ضعيفا فكريا، بعيدا عن أصالة وجوده وتاريخه، وهو ما يخلق الكثير من المشاكل الاجتماعية والأمراض النفسية وكل ما يمكن له أن يحول دون تطور مجتمعنا وتقدّم وطننا في ركب دول العالم الأول المتمسّك بمبادئه الأساسية واستراتيجية بناء الإنسان الفاعل، والصورة أخطر الأسلحة وأسهلها لهدم الشعوب، لأنّها مباشرة وتصدّقها العين، لما تقدّمه لها من إثباتات تبدو حقيقية للعين لأنها في صورة، والعين غالبا ما تصدّق ما تراه، ومن خلالها يمكن تمرير أي رسالة أو خطاب للمجتمعات ونسبة ضمان وصولها وتحقيق مقاصدها نسبة عالية جدّا، إذا ما استثنينا الشّريحة الواعية بوهم الصورة، فأغلب الناس يرون الصورة التي أمامهم دون النظر إلى أبعادها الثقافية وأهدافها السياسية، وفي هذا الصدّد نذكر حرب الخليج التي سوِّق لها عبر الإعلام دون ذكر الأسباب الحقيقية لها والتي لا تزال إلى اليوم مخفية من قبل السلطات الأمريكية والأهداف في ذلك معلومة مع المنطقة العربية. وفي سياق الموضوع يقول الدكتور عبد الله الغذامي في مؤلفه الثقافة التلفزيونية: (إنّ مقولة الغزو الثقافي ليست سوى مقولة واهمة هدفها المبالغة في تخويف الذات، فالشباب الذين يلبسون الجينز ويأكلون الوجبات السريعة هم أنفسهم الذين يقفون ضد سياسات الهيمنة، هذا يحصل في بلادنا كما يحصل في أوربا)، أي أنّ تمازج الثقافات وتداخلها، هو من التخوفات التي تعاني منها أغلب المجتمعات في العالم، لأنّ كل جماعة تعمل جاهدة للحفاظ على حضارتها ووحدتها، إلاّ أنّ وسائل الإعلام والشبكة العنكبوتية تحول دون ذلك، وفعل التأثير والتأثّر يمارس على جميع أفراد العالم دو استثناء، وكأن العالم يتوجه نحو وجهة واحدة وهي الثقافة الرقمية الالكترونية، التي باتت تسيطر على نمط حياتنا اليومية بشكل كبير، فأصبحنا نشتري ونتعامل ونتحدّث ونبحث عن اختياراتنا عبر شبكات التواصل ووسائل الإعلام التي تعرض علينا الكثير من الأشياء بأسلوب مغرٍ ومؤثِر، في هذه النقطة بالتحديد يجب علينا أن نراعي كل ما يخدم أهدافنا ويتماشى مع معتقداتنا، ونكون حذرين أمام ما يعرض علينا وعلى أبنائنا من صور وخطابات، ونحسن قراءتها لنستفيد من الجانب الإيجابي لوسائل الإعلام، ونبتعد عن كل ما يهدم ثقافتنا و يؤثّر سلبا علينا وعلى مجتمعنا.

د.نور الهدى بكاي

دكتوراه في السيميائيات وتكنولوجيا التواصل والإعلام و أستاذة لغة عربية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: