دراسات وأبحاث

واقع التعليم القرآني بين الماضي و الحاضر (الجزء الأول)

 

 

في هذا الموضوع نسلط الضوء على وسائل وطرق التعليم القرآني المتشابهة تقريبا في كامل أنحاء الجزائر، مع أخذ منطقة حد الصحاري بولاية الجلفة نموذجا للبحث عن تطور المناهج التي سلكها القدامى في نشر القرآن على أوسع نطاق، ونرصد كيف كان الانتشار محدودا في العصور المتأخرة رغم تطور المناهج العلمية وتوفر الإمكانيات المادية والبشرية . ونكشف أن النجاح في هذا التعليم مرتبط بتعاون المجتمع، وخصوصا : المعلم، والتلميذ، والأولياء.

كان القرآن الكريم من أهم العوامل التي صنعت الأمة الواحدة يضاف إلى ذلك إخلاص القائمين على تطبيق تعاليمه وأحكامه.
كان للقرآن الكريم الدور المؤثر و الفعال في يقظة المجتمعات عندما خاطبها بلسانها وعبر عن أحاسيسها ومشاعرها فأدركت واقعها وعرفت دورها في الحياة فتحملت مسؤوليتها واستجابت للنداء الذي كان مصدراً لحياتها.
القرآن يبقى مصدراً للحياة وقادراً على العطاء والتغيير ويبقى دوره مستمرا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إن التراجع الذي تعيشه الامة اليوم ليس ناجما عن عدم تلاوة القرآن فهو يتلى في المناسبات وهي كثيرة ويتلى في الإذاعات بل هناك إذاعات مخصصة لتلاوة القرآن الكريم وتعليمه،وكما أنه ليس ناشئا من قلة في كتب التفاسير فهي كثيرة والحمدلله وليس ناشئا من تعقيد في أساليبها لأنه في إعتقادي يبقى القرآن أوضح بيانا وأكثر هديا وأرقى أسلوبا من كل الكتب التي تحاول إيضاحه وتفسيره.

لقد تم دخول القرآن الكريم إلى القطر الجزائري مع الفاتحين الأولين، فتلقاه الناس بالقبول و الحفظ، و أخده الخلف عن السلف كاملا غير منقوص بسوره و آياته، و حروفه، بل بخطه العثماني الجميل الخاص به، فتعلمه الصبيان حسب الطريقة التي تلقوه بها.

ان للقرآن الكريم خطا خاصا به يجب أن يكتب حسبما صرح به علماء فن الرسم و رجال التوحيد و القرآء، إذ وضعوا لذلك قواعد مضبوطة كقواعد اللغة و أحكام ثابتة كأحكام الفقه ،فلا يتخطاها أحد، و لا يسمح بتغييرها قط.

للتعليم  القرآني أمكنة خاصة به فمن بين الأمكنة التي استخدمت لتعليم هذه القواعد و الأحكام، و عملت على نقله من جيل إلى آخرالتي حافظت على وجوده و استمراريته : المدارس القرآنية والمساجد والكتاتيب والزوايا .

1/ المؤسسات التربوية القديمة للمدرسة القرآنية:

من بين المؤسسات التربوية القديمة نذكر : الكتاتيب و المساجد و الرابطات و المكتبات العمومية و الخاصة، و قصور الأمراء، و دور العلماء، و حتى الدكاكين… الخ

لقد ظهر هذا التعليم في أواخر القرن الأول الهجري في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حيث قام هذا الأخير ببعث عشرة فقهاء من أهل العلم و الفضل، فقاموا بنشر تعاليم الإسلام وتعليم القرآن وعلومه .

        يقول ابن خلدون في هذا الموضوع : و كان هؤلاء الصحابة و التابعون هم أول المعلمين في القيروان الذين نشروا القرآن و السنة و مبادئ اللغة العربية بين أبناء البربر، و بذلك تم إسلام البربر، و أصبحت لغتهم العربية.

2/ المساجد :

لم يكن المسجد مكانا للعبادة كما هو حاله اليوم بل كان مدرسة لتعليم الناس القرآن و الكتابة و تحفيظهم كتاب الله، لقد كان جامعة مفتوحة تعقد فيها حلقات المستويات، كان مركزا إعلاميا للإسلام، و ملجأ لمن لا ملجأ له.

3/ الرباط :

الرباط اسم من رابطة مرابطة إذا لازم ثغر العدو و أطلق هذا اللفظ أيضا على بعض الثكنات العسكرية التي تقام في الثغور، يحرس المجاهدون فيها الحدود الإسلامية، و الرابطات هي مراكز تشبه إلى حد بعيد الزوايا في وظائفها الاجتماعية و الثقافية إلا أن مكان تواجدها يكون قريبا من مواقع الأعداء (الحدود)، فلا تقتصر الرابطات على مهمة الدفاع عن الوطن و الحفاظ عليه بل تقوم أيضا بوظيفة التعليم ونشر الثقافة والعلوم…

4/ الكتاتيب القرآنية :

الكتاب بضم الكاف و تشديد التاء : موضع تعليم الكتاب، و الجمع الكتاتيب،

و استعمل أحيانا ابن سحنون كلمة “مكتب” عوض لفظة “كتاب”، و يظهر أن كلمة كتاب يقابلها في مناطق أخرى كلمات أخرى حسب كل منطقة في الجزائر…الخ، فالكتاتيب مراكز صغيرة نسبيا، غالبا ما تتضمن حجرة أو حجرتين مهمتهما الأساسية تتمثل في تحفيظ و تعليم القرآن الكريم للصبيان، و قد تكون ملحقة بمسجد كبير.

يتبع ……

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: