الرأي

هكذا بنت مزنا جمهوريتها الثانية

منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، ورثت مزنا مدينة الأرامست المترامية الأطراف عن ابيها الوالي شهتار، مدينة تابعة للحكم المركزي في العاصمة ممفيس، والتي بدورها تتبع الإمبراطورية الاخمينية التي مقرها في برسبوليس على مسافة نصف يوم من بابل، عاصمة الدنيا. قررت مزنا ان تنهض بشعبها وتثور على الحكم المركزي الذي يتخبط في مشاكله الإدارية والسياسية والاقتصادية منذ زهاء نصف قرن من الزمن، ولكن المشكل الأكبر كان داخليا، فقد ورثت مجتمعا مريضا، الفساد والريع يقاسمان الاهالي ايامهما، طبقة الفلاحين الكادحين تحمل حقدا شديدا ضد النبلاء بلغ عمره عقودا من الاستغلال والاسترقاق، اما الجهل والشعوذة فقد انتشرا بين العامة، ترجمتهما شعبوية النبلاء وغوغاء الوزراء وسادة الدواوين.  وبين هذا وذاك، انتبهت مزنا الى مشكل أعمق، فالناس اعتادت على نسق معين في الحكم دام قرنين من الزمن، فالأهالي لا ترى شرعية في الحكم بعيدا عن شرعية دراويش الفرس المقدسة، وقرارات لا تأتي من احفاد قورش العظيم و آلهة الشرق في بابل وبرسبوليس وسوسة، وفراعنة امون الشرقيين حفدة قمبيز.. لقد ورثت مزنا أناسا لا تعترف الا بالمقدس، لا تعرف معنى الوطن والمواطنة، معنى الحياة كفرد من المجتمع، كجزء من الشعب. بحثت الوالية الفتية طويلا، شاورت ودرست وانتقت الأفكار واكتسبت معارف زمانها، فانتهت الى خطة طريق ترتكز على خمس نقاط أساسية تليها نقطة سادسة إضافية… وقول في ذلك: لا يمكن اصلاح نقطة من بينها دون ان تصلح التي قبلها، وكانت كالتالي:
• أولا: إعادة النظر في التاريخ: فصلت مزنا بين مصطلحي التاريخ والماضي وفرقت بينهما، وانتهت الى العمل من اجل القضاء على قدسية التاريخ بكل حساسياته، وعلمت شعبها ان القديم ليس بالضرورة افضل من الحديث، بل العكس هو المرجح غالبا. ثم عملت على تصالح الناس مع ماضيها، مع اوجاعها المتراكمة، طرحت التاريخ بكل حقائقه، الصادمة منها والخطيرة. أجبرت الفلاحين على لقاء اسيادهم القدامى وجها لوجه، السجين التقى بجلاده والعبد بسيده الذي استرققه، تصالح من تصالح، سمح من سامح، وانتقم من انتقم في إطار منظم. إلى ان سقطت القدسية من التاريخ، والهيبة عن الذاكرة الجماعية المخيفة.
• ثانيا: اصلاح المجتمع: الماضي أصبح صالحا، لكن الحاضر لازال طالحا، الفساد ورم قاتل مزروع في جسد المجتمع، لذا عملت على ردع الفساد بدءا من اعلى هرم البلاط وسادة الدواوين ورهبان المعابد، وهي تعلم ان العبد على دين سيده ودنياه، فان صلح النبيل صلح فلاحوه وخدمه وجواريه، بالمقابل فقد نشرت اعيانها في كل سوق شعبي في كل زقاق وكل سقيفة تشرح للناس ان سعادة الفرد من سعادة الجماعة، والجماعة ماهي الا مجموعة من الافراد، فلا احد يعوض عن الاخر تقصيره في مسؤولياته. ثالثا: توطين المواطن: قالت مزنا في ذلك: كيف لي ان أعلم شعبي امرا فشلت انا في استوعابه؟ انا مثلهم، نحن ورثنا معتقدات تقدس دروايش برسبوليس عمرها قرنين ونصف، ولا نعترف بأي قرار يصدر من خلق بشري، كل القرارات ينبغي ان تأتي منهم، فكل ما أتي منهم آت لا محل من السماء. لكن مزنا انتهت الى حيلة تستطيع من خلالها توطين الفرد وتجعله يتعلق بالوطن وليس بالملك او الوزير او سيد الديوان، فخاطبت شعبها يوما تقول: الحياة ليست حقا من الحقوق كما يشاع، بل استحقاق لا يناله الا من قرن وجوده باسباب وجود الانسان، ولقد انتهى اجتهادي الى ان المرء مفطور على الانتماء، وذاك هو بيت القصيد. ثم همست الي تقول: حاجة الفرد الى الانتماء والانتساب والانخراط الى الوطن كان مفتاحا تسللت من خلاله الى ذهنية التقديس لدي الفرد، من اجل تحطيمها وترسيخ المواطنة والايمان بالوطن. رابعا: تنظيم الشعبوية: ترى مزنا ان محاولة القضاء على الشعبوية امر خاطئ لأنه غير ممكن، فتقول في ذلك: ان الشعبوية لم تنتظر نشأة الحضارات كي تنشأ بدورها، بل كانت سباقة فقد ولدت في اول يوم التقى فيه شخصين قررا العيش معا، فإنها نكبة من نكبات الانسان، لابد منها ولا مفر منها، لذا سنستغلها عوض ان نبكي على حظنا. الشعبوية ليست خطابا سياسيا يقوله اهل الخطابة كي يدغدغوا من خلاله مشاعر الرعية فحسب، ولكنها غذاء يتغذى منه العامة، ملجأ تلجأ اليه الناس هربا من الصراحة المرة والحقائق الموحشة. لذا فنحن نتهم الشعبوية بانها اعانت الحكام المستبدين من اجل المكوث طويلا في الحكم، ولكننا نعترف لها انها وسيلة للتعايش، وان الشعوب دون شعوبية لا يمكن حكمها، دونها ستسود فوضى الواقع وضوضاء الحقائق… انه فقدان التوازن. ولكن، إذا ما زاد الشيء عن حده انقلب على ضده، فإغراق الشعب في سيول الشعبوية بيع للأوهام وسمسرة بسلع الاحلام الوردية، وستقتات الناس عندئذ من الخيال الزائف، وسننتهي مزة أخرى الى استقالة الفرد من الجماعة مرة أخرى، فالجماعة تمثل الواقع والفرد يعيش أوهام الشعبوية، عندها سنعود الى صناعة الفرد الخامل، ومن ثم المجتمع الراكد. ثم تساءلت مزنا: ولكن، ماذا لو طالبت العامة بالمزيد؟ فالغوغاء تواقة الى التزلف؟… فأجابت، ذاك هو أوان الهاء الشعب عن توقه، ومنع الغوغاء بطريقة غير مباشرة من طلب المزيد من الدغدغة، ذاك هدفنا، وهو بحد ذاته ما اسميته تنظيم الشعبوية. خامسا: فتح المجال للإبداع وتحرير الخيال تقول مزنا: الناس لا تميل الى القيود، وما فرضته على شعبي أصبح عسيرا وافكارا جدية تكاد لا تطاق، فبعد ان يصلح التاريخ، ان يصلح المجتمع، ان يتوطن المواطن، ان تنتظم الشعبوية، اضحى باليد شعب ينبغي ان يساق الى ورشات الابداع ومجالات إطلاق سراح الخيال وفتح مصانع المعجزات: انها مدن الفنون و معاقل الآداب ومواطن المسارح. ثم اردفت قائلة: والمخيلة اكتساب وليس فطرة، الخيال تدريب دؤوب منذ نعومة الاظفار. ماذا بعد؟ تقول مزنا: هنالك نقطة سادسة حساسة تضاف الى الخمس الاوائل، وهي الدين… ولكن إذا ما صلحت النقاط الخمس الاولى صلح دين الناس، وانا أدرى ان الناس على دين حكامها.

===
مزنا شخصية خيالية ذكرت في روايتي تلمود نرت، المنشورة في الجزائر لدى منشورات الجزائر تقرأ 201

ماسينيسا تيبلالي

كاتب و روائي فنان تشكيلي و كاريكاتوريست ، متخرج من جامعة عبد الرحمن ميرة ببجاية في العلوم التجارية و المالية قبل أن يتوجه إلى دراسة الفنون التشكيلية ، حاصل على جائزة محمد إسياخم و جائزة أربوست الفرنسية مرتين في الفنون التشكيلية ، إشتغل في الكاريكاتور و الكرتون ، كما أسهم في عدة مسرحيات في باريس و فلم سنمائي فرنسي حول الحرب العالمية الأولى . و له إسهامات في العديد من المجلات العالمية . و قد صدرت له رواية تلمود نرت .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: