صحة ومجتمع

هاجس المجتمعات العربية من الطب النفسي

الاهتمام بالنفس ضرورة إنسانية

علينا أن نعترف أنّه كما انتقلت إلينا الحضارة الغربية، والثقافة الأجنبية عن ثقافتنا، وأخذنا عنها الأفكار والتكنولوجيا والدراسات وطرق العيش والكثير من العادات، أخذنا جانبا من الحالات النفسيّة المعقّدة، التي كانت نتيجة لتخالط الأفكار داخل ذهن الواحد فينا، بسبب الاختلاف الواضح بين الحضارتين، فمن الطبيعي أنّ الإنسان الذي يؤمن بوحدانية الله، ووحدانية الخالق لهذا الكون والطبيعة بتجلياتها، ويؤمن بالغد الذي سيؤول إليه كل البشر بعد الموت، سيعيش صراعا داخليا بسبب ما يستقبله من مفاهيم وأفكار تتناقض مع معتقداته وأركانه الإيمانية التي يتمسك بها، فينمو داخله نوعاً من التذبذب بين داخل ما يفكِّر به، وبين ما يستقبله من الخارج، ومن بينها الحاجة إلى تفعيل الطب النفسي والتحلي بهذه الثقافة المهمة لإنسان اليوم، ألا نرى مجتمعاتنا العربية والإسلامية بالتحديد، أصبحت تعايش نوعا من اختلاط ثقافي غير متجانس، ممّا يجعلها تنعدم لإستراتيجية اجتماعية، فانعكس ذلك على نفسيات البشر، فكثر ظهور الأمراض النفسية والحالات الاجتماعية الغريبة، ورغم هذا لا تزال فكرة الاستعانة بالطبيب النفسي غير مرغوب فيها، في حين أنّنا لو توجهنا إلى المجتمعات الغربية المتحضّرة لوجدنا أنّ زيارة الطبيب النفسي من الواجبات المهمة عند مختلف فئات الناس،وجزء من حياتهم اليومية، ويعتمدون عليه في تسيير أمورهم الشخصية والأزمات التي يواجهونها دائما، حيث يستعين بهم الأولياء في تربية أولادهم، كما يعتمد عليه الكبار في المرور من النكسات، كما نجد أشهر الشخصيات الناجحة والطبقة الواعية لا تستغني عن جلسات العلاج النفسي والذهاب إليه ضرورة كالذهاب إلى طبيب الأسنان، أو طبيب آخر عند شعورهم بالمرض و الألم، أما في مجتمعنا العربي يختلف الأمر تماما و كأنَّ هذا الفعل يجلب المذلة لصاحبها وتشعره بالإحساس بالنقص، وإن كان لابد منها فيتم الأمر في الخفاء  أو لنقل كان من المفروض أن لا تكون في مجتمع مسلم دينه ألمَّ بكل مقومات قوة النفس الإنسانية، وعالجها من كل جوانبها، والتمسك به وبمبادئه علاج كامل في حدِّ ذاته، إلاَّ أن اعترافنا بوجود ظواهر نفسية مرضية، ليس تاما كما تبتغيه الضرورة الإنسانية الاجتماعية، فنقف عاجزين عن البحث في علاجها، وقبل ذلك تشخيصها وتفسيرها، فثقافتنا لازالت بعيدة عن الاستعانة بالطّب النفسي، الذي يغوص في أعماق الروح الإنسانية محاولا اكتشاف تلك النقاط المظلمة داخلها، ومحاولا فكّ عقدتها، لترتاح النفس التي تعاني الويلات في حياتها بسببها، خاصّة في بداية المرض عندما يبدأ الإنسان في الدخول إلى جو لم يعهد من قبل فيحول دون استمراره بحياته في شكل طبيعي، إنَّ علم النّفس ليس علما لا فائدة له، العكس تماما، في عصرنا اليوم عصر السرعة والتطور وانفتاح العالم عن بعضه البعض، وكثرة مغريات الحياة، واشتداد ضغوطاتها، هو أكثر العلوم أهميّة وعلينا أن نعطيه مكانته التي يحتاجها ليؤدي فيها مهمته،مما يوجب علينا ضرورة تفعيله والاستفادة منه ، كي نرتقي بالطاقة البشرية في مجتمعاتنا العربية الضعيفة إلى مصاف العالمية، فهو يساعدنا في التعامل مع الكثير من الحالات،كما يساعدنا في تنشئة وتربية الأطفال، ويصاحب الإنسان في كل مراحله العمرية، فلكل مرحلة متطلباتها، فكيف نتعامل مثلا مع المراهق العنيد؟ الذي يعيش مرحلة حرجة من عمره، وغالبا ما تحدّد مسار مستقبله، وكيف تتعامل المرأة مع حياتها الجديدة عند دخولها لما يسمى في علم النفس بسن اليأس، كما يساعدنا في البحث في كثير من الظواهر الاجتماعية الدّخيلة، كظاهرة عزوف الشباب عن الزواج، وانتشار ظاهرة الأمهات العزباوات، وغيرها الكثير من الأسئلة التي لا نجد لها إجابة شافية ومساعدة للإنسان إلاّ في حقل علم النفس، وفي الأخير أقول أنّ الإنسان الذي يستعين بالطبيب النفسي في حياته وفي مساعدته للمحيطين به، هو إنسان واعي ومثقف، ويعرف قيمة العلوم والأبحاث التي توصّل إليها العلم الحديث في تطوير حياة الفرد وتغيير سلوكا ته ونفسيته للأحسن دائما.

د.نور الهدى بكاي

دكتوراه في السيميائيات وتكنولوجيا التواصل والإعلام و أستاذة لغة عربية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: