الرأي

“من أنتم؟”قالها القذافي البارحة ونعيشها في الجزائر اليوم

تحت أنغام جون لينون و كلمات أغنية “imagine”، غفوتُ  وانخرطتُ في نومٍ عميقٍ لأحلم بجنة فوق الأرض، لكن سرعان ما عُدت إلى واقعي المرّ، لأجد نفسي مع مواطنين من قريتي النائية ساخطين على أوضاعهم التعيسة. كنتُ في الصفوف الأولى ونحن نتسارع لغلق أحد الطرق االوطنية المؤدّية إلى عاصمة الحمّاديين بجاية، لا بد أنّنا كنّا نطالب بحقنا في المواطنة وحقنا في التنمية مثل الجميع، لا بد أنّنا كنّا نندّد بالجهويّة والتهميش، نندّد بالإقصاء ولامبالاة مسؤولينا. ربما كانت مطالبنا صغيرة لا تتعدى شبكةً للصرف الصحي، أو تعبيد ممرّ للراجلين. قد يكون سبب الاحتجاج غياب الماء والغاز الطبيعي أو غياب النقل المدرسي،لا أدري … لقد تحوّل حلمي إلى كابوس فجأة، فما عدتُ أتذكر جيداً، ذلك أنّ مشاكلنا كثيرة وغلق الطريق أصبح موضة أيضاً. حقاً ما عدتُ أدري؛ لماذا أنا هنا وسط هذه الفوضي! لكنّني واثق أن مطلبُنا ليس سياسياً البتة، فلسنا متحزّبين، ومعظمنا لا يعلم من يترأس الأفلان حتى! أجزم أن مطالبُنا بعيدة عن السياسة كلّ البعد. فلسنا هنا لنساند بوحجّة ولا لنندّد بالعهدة الخامسة.
مرّت أيام وليالي ونحن صامدون وسط الطريق، لم أكترث بمعاناة الراجلين الذين يقّطعون حواجزنا كبارهم وصغارهم، كان هناك عجائزٌ و شيوخ، أطفال صغار ونساء حوامل، أمهات بأطفالهنّ، تلاميذ وطلاب، عمّال وكادحون من مختلف الأعمار، كلهم بسطاءُ مثلنا. لم أكترث بعدد السيارات المركونةٍ؛ الواحدة تلو الأخرى من كلتا الجهتين. في حالتنا لا نختلف عن الرهائن مثل سائقيها؛ فلقد أنهكنا الإنتظار، ونالَ منّا التعب، طوانا الجوع وأضمأنا العطش، أحرقتنا الشمس وأتسخت أسمالنا بالغبار، كيف لا ونحن وسط ركامٍ من الحجارة، حيث تتعالى أعمدة الدخان متصاعدةً من العجلات المحترقة، إنّنا وسط الدمار.
فجأةً أسمع أحد ينادي لقد جاءوا، لقد جاءوا. من جاء يا ترى؟ جاء المسؤولون أخيراً، من؟  رئيس البلدية حتى الوالي! جاء معهم وفد من البرلمانيين كذلك. أخيراً سُمعت أصواتنا في أعلى الهرم، أخيراً وصلت انشغالاتنا إلى قبّة البرلمان، فحمداً لله لأن مطالبنا البسيطة ستُؤخذ بعين الاعتبار. حمداً للرب فمشاكلنا ستُحل نهائياً. نعم إنّه وفدٌ كبيرٌ جداً، أكبر ممّا تصوّرت عددهم أكثر من عددنا، وملابسهم أنظف من ملابسنا، علامات الرفاهية باديةً على وجوههم المستديرة، أزعجهم الغبار الذي بدأ يوسّخ بذلاتهم الجميلة، ملامح الانزعاج لم تخفَ على ملامحهم، لا بد أن تلك البذلات تساوي ثروة بميزانيّة مواطنينا.
تجمّع حولنا الفضوليين، كنت أنتظر أن نُسأل عن مشاكلنا وانشغالاتنا ونقائصنا.
لكن بدا لي كلامهم سطحي جدا منمق بالشعبوية الزائدة، ملفوف بغطاء ديني منافق. كان يكفي أن يقول أحدهم إنّ الله أمرنا بإماطة الأذى عن الطريق، فما بالكم تقطعون الطريق فهذا حرام. دون أن أدري انتفضت غضباً بصوت عالٍ: كل راعٍ مسؤول عن رعيته. نحن رعيتكم فماذا قدّمتم لنا؟ فتمّ دفعي إلى الأمام من طرف المواطنين، كأني الزعيم مما زاد من حماستي.
قيل لنا من أنتم حتى تكلمونا بهذه الوقاحة؟
من أنتم …… أعرف باقي الجملة فلا تكمل. فقد قالها القذافي يوما. نحن الشعب الجزائري العظيم الذي يحكمه رئيس ليس لنا منه سوى صورة. حكومتنا حكومتكم، يقودها أويحيى. سيدي السعيد يمثل نقابتنا وحدّاد رئيساً لمنتدى رجال أعمالكم .. نحن أيضا مثلكم قمنا بغلق الطريق على بعض من إخواننا كما أغلقتم أبواب البرلمان بسلاسل من حديد، أغلقتم على أمالنا وأحلامنا وآمال أجيال قادمة. كسرتم البرلمان فمن سيحاسبكم؟ وخرقتم دستوراً أنتم واضعتموه..
نظرت إلى المارّة مخاطبا، هذا هو حالنا لأننا فقط منكم، نحن شعب مثلكم مغلوب على أمره مثلكم.
كل الابواب مغلقة للمطالبة بحقنا المشروع؛ الحق في التنمية والحق في المواطنة. إستنزفنا كل الطرق السلمية فلجأنا إلى آخر ورقة لدينا، عسى أن يسمع صوتنا وصوتكم، عسى أن يتدخل المسؤول ويعاين أوضاعنا. عسى أن يقف على التسيير الكارثي لأحوالنا. لكن من يحكمنا لم يرد يوما حواراً معنا. فقد قال لتوّه: من أنتم؟ لأنّه ببساطة لا يعرف من أنتم!!
سأردّ عليهم بنفس السؤال: من أنتم، من أنتم؟ حتى لا تعذرون هذا المواطن البسيط لأنّه يعلم أن مطالبه لا تتحقق دون الطرق اللّاحضارية كما يعتبرها بعضكم، كيف لا يعذر هذا المواطن البسيط ،الذي اقتدى بالأساتذة الذين يغلقون المدارس على تلاميذتهم …. قدوتهم الأطباء الذين تركوا مستشفياتهم ومرضاهم و و و….
الآن صرتم أنتم القدوة، فاعذرونا لأنّنا جزء من هذا الوطن. وطن أكبر من مسؤولينا. حمداً لله أني أكملت هذه الكلمة قبل أن أجد الأغلال في يدي. استيقضت من نومي مفزوعا على خبر تزكية الحاج العايب خلف لبوحجة باعتباره الأكبر سنا …
أتمنّى أن يكون هذا الذي حصل، مجرد كابوس آخر.
الوسوم

عبد المجيد مهني

فنان تشكيلي ،كاتب وكاريكاتيرست بجريدة "البلد" الجزائريّة. *متحصل على شهادة الدراسات الجامعية التطبيقية في الإعلام الآلي . جامعة عبدالرحمن ميرة. *متحصل على شهادة MBA option ingénieur commercial _université PGSM PARIS_INSIM Bejaia * ناشط جمعوي . * مهتم بالشؤون الثقافية و السياسية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: