ثقافة

قراءة في كتاب”شطرنج الأفكار: سحر الماضي يفترس المستقبل” للكاتبة العُمانية أمامة اللّواتي

كتبت صديقتي أمامة اللواتي، القاصة المتخصصة في أدب الطفل كتاباً بعنوان: “شطرنج الأفكار – سحر الماضي يفترس المستقبل”، أين كتبت ملخصاً في نهاية الكتاب، أشارت فيه إلى أن المشكلة في خطابنا العربي الإعلامي والمدرسي والمؤسساتي على حدّ سواء، لا يستطيع أن يقدّم بديلاً لخطاب الماضي، لتضيف في الملخص ذاته، الحضارة الإسلامية العربية بكل منجزاتها تحمل مقومات الإبهار والجمال وبصمات الأصالة والتفوّق. أما الحاضر فهو مشوّش، غائب  صنعه لنا غيرنا، وشاركنا فيه كمستهلكين، وليس كصانعين ومبدعين..
جاء في كتابها الذي يضم 124 صفحة، مجموعةً من المقالات المنوّعة، كان في مقدّمته مقالٌ بعنوان: “نوح والطوفان”، قالت فيه؛ بأنّ النبي نوح في الفيلم الأمريكي، ظهر على أن مهمته تمثلت في بناء السفينة وإنقاذ الحيوانات على الارض دون البشر، لأنّ البشر لا يستحقون النجاة بسبب ارتكابهم لجرم أكل اللحم الحيواني، فيظهر النبي على أنّه شخص محبطٌ، فاقدٌ لنفسه ولإدراكه وعزيمته.
مقال آخر توقفتُ عنده،”سندريلا القبيحة”، تذكرنا الكاتبة أمامة في بداية مقالها بسندريلا الشقراء، وسندريلا لندن السمراء. فسندريلا الشقراء، قصة حالمة لفتاة جميلة، عاشت حياة تعسة، انتهى حلمها بزواجها من أمير وسيم. أما سندريلا القبيحة فهي قصة من وحي الواقع، تسردها كونستانزا، المحامية البريطانية السوداء، في سيرتها الذاتية بعنوان “قبيحة”، إذّ تعرّضت لمعاملة بالغة القسوة من والدتها، التي قرّرت التخلي عنها بعد أن غادرت المنزل رفقة زوجها وأطفالها الآخرين، وخلفت وراءها ابنتها “القبيحة” وحيدةً. ومع مرور الوقت، قررت الطفلة الذهاب لرؤية طبيب تجمبل، و كان حلم كونستانزا الأول هو أن تصبح جميلة، وخلال السنوات اللاحقة عملت على تحقيق حلمها الثاني، وهو أن تصبح محامية، لتغدو بعد سنوات أوّل امرأة سوداء تعمل كقاضيةٍ بدوام جزّئي. تقيم اليوم هذه المحامية الناجحة في بيت يبلغ ثمنه مليون جنيه في لندن مع ولديها. ورغم صمود هذه السيدة و نجاحها إلا أن كلمة “قبيحة” أدت إلى فقدانها الثقة تماما بجمال شكلها، وهذا ما أدّى إلى إجرائها للعديد من العمليات التجميلية.

كما استوقفني مقال “السفر و العلاج بالضوء”، والذي أشارت فيه الكاتبة إلى أن فكرة لافتة مفادها؛ أنّ مجموعة من العلماء ممن يطلقون على أنفسهم “علماء الضوء”، وروّاد الشركات السياحية، وبعض المخترعين، عازمون على تقديم نوعٍ جديد من العلاج يمكنه أن يخلص المسافر من بعض الأمراض الجلدية، وبعض اضطرابات النوم والاضطرابات النفسية، وهذا عن طريق التعرّض لضوء الشمس، أو لأطول موجة معينة من الضوء باستخدام الليزر، أو مصابيح الفلورسنت أو المصابيح مزدوجة اللون. ليصبح العلاج بالضوء اختيارنا الأنسب لسفرٍ أقل إرهاقاً وأكثر استمتاعا.

لأتوقف عند مقال عنوانه: “سر الأرض المجوّفة”، وهذا بعد بروز نظرية الأرض المجوفة عند العلماء، أين أشارت بعض الكتابات على الشبكة العنكبوتية إلى أن هتلر كان من أشد المؤمنين بهذه النظرية، لدرجة أنه أرسل بعثات سرية إلى القطب الجنوبي لاستكشاف مداخل عالم ما تحت الأرض! أشارتْ أمامة اللّواتي في نهاية المقال، إلى وجهة نظرها التي تتوق فيها إلى أن يكون هناك فردوس خلّاب لم تر له قلوبنا البشرية مثيلاً من قبل، سواءً كان في أعماق الأرض أو في أعماق السماء.
هذا كما حمل كتابها العديد من المقالات كـ: “دول مارقة” ، “الحروب القذرة” التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية وتتعلق بالتجسس وأعمالٍ استخباراتية، ومجموعة من الأعمال الغامضة والقذرة، التي تتم بسرية تامة دون معرفة الصحافة أو الكونغرس.

لفتني مقال لها بعنوان: “أجمل بقاع العالم” والذي تتحدّث فيه عن عالمة الآثار الشهيرة الدكتورة جودي مغينيس، أين تحملنا إلى مدينة القدس، وتقدّم لنا تاريخ بناء المعبد والكنيسة والمسجد فيها، في محاولة منها كشف سر هذه البقعة الفريدة من الأرض.

مقال آخر تضمنه الكتاب: “لماذا انتحروا ؟” هذا السؤال الذي تردّد في ذهن الكاتبة مطوّلاً: لماذا ينتحر المشاهير؟
يعود المأزق الوجودي من وجهة نظرها إلى فقدان السعادة، فقدان السعادة في داخل الإنسان يُشعِره بفقدان الرغبة في مقاومة ظروفه الصعبة، وتُرجع الكاتبة سبب فقدان السعادة إلى عدم الشعور بالحب، الشعور بالنقص، بالرغبة في تحقيق الكمال، لتغرق النفس والروح إثر ذلك؛ في دوامة تعذيبٍ لا تنتهي إلا بالموت.
هذا كما قدّمت الكاتبة عناوين مهمة كـ: “نحن وصورتنا الذهنية”، “الانسان الكامل”، “هل يمكن التخلي عن الكتاب الورقي”، “كيف نقرأ الإختلاف؟” أين أشارت في هذا المقال إلى ضرورة اعتماد قراءة جديدة، وفهم أكثر نضجا للاختلاف، والسعي لاكتشاف و استغلال إيجابياته مع الحرص على حفظ حقوق وواجبات كل فرد في المجتمع.

كما استوقفني مقال بعنوان “الخمسمئة عام القادمة”، والذي قرأت فيه الكاتبة كتاباً للصحفي أدريان بيري عنوانه “الخمسمئة عام القادمة: الحياة في الألفية القادمة”، الذي وجدته أمامة اللواتي مليء بأحداث؛ تتطرّق إلى الانجازات والانتصارات التي ستحقّقها البشرية على مستوى الفضاء والتكنولوجيا واستعمار الكواكب الأخرى. كما يتوقع الكاتب قدرة الطب على استبدال الأجزاء المعطوبة من الجسد بما فيها العقل، وزراعة البحر، ووصول أجيال جديدة من الإنسان الآلي ذات الذكاء الفائق قد تحل محل البشر. و من أغرب هذه الأمور كلها هو تخزين الشخصية الإنسانية على أقراص الحاسوب لاسترجاعها بعد الموت.
جاء هذا المقال متبوعا بسلسلة مقالات أخرى كـ “من الحب المحرّم”، إلى”الأكاذيب المحرمة”، “هل نحن بحاجة إلى حوار وطني”، أين أشارت إلى أهمية وسائل التواصل الاجتماعي، والتي قد تساهم في الدعوة إلى الحوار الوطني ووضع أجندة لتوعية المواطنين بقضاياهم الأساسية.
مقال أخر مهمّ، نُشر في هذا الكتاب، عنوانه: “هل نغني مع السرب أو خارجه؟”، ركزت فيه الكاتبة على فكرة مفادها؛ استخدام التفكير النقدي الذي يجب تشجيعه، لأنّه يمثل أداة مساعدة للمؤسسات الرسمية والخدمية، ويُعيّنها على إدراك نقاط ضعفها، والعمل على تجاوزها أو تحسينها. ليبقى النقد دليلاً على تطوّر المجتمع، وبالتالي فإنّه يغدو من الضروري توفير أدوات النقد وتهيئة المجال لوجود المفكر الناقد.

مقال آخر شيّق استرعى اهتمامي، وهو: “هل يحتفل المسيحيون بالهالوين؟”، أين ذكرت في مقالها أن الكاتب المسيحي أليوت واتسن يتساءل في مقال له: (هل يُفترض بالمسيحيين الإحتفال بالهالوين؟).
إنّ قصة الاحتفال بالهالوين هو طقس وثني، كان يمارس قديما في مناطق بريطانية وفرنسية. و كان الاعتقاد أن رب الموت أرسل الأرواح الشريرة فيك4 الخارج لمهاجمة البشر، لكن البشر تمكنوا من الهروب من خلال التنكّر بأزياء يبدون خلالها وكأنهم أرواح شريرة.

مقال آخر تضمنه الكتاب “نظام الكفالة وإشكالية انتقاده”، جاء متبوعا بسلسلة مواضيع لا تقل أهمية عن سابقاتها كموضوع “ثقافة ميتة..ثقافة حية”، أين ركزت الكاتبة على مقالة للمؤرخ والمفكر الفرنسي ذي الأصول البلغارية تزيفتان تودوروف، يتحدّث فيها عن سمات الهوية والانتماء الثقافي، والذي يركز فيها على عنصر اللغة، أين تقوم اللغة بتقطيع الواقع بطريقة خاصة، ويرى الكاتب أنه رغم تعدد الهويات الثقافية، فإنّ المواطنة شيء واحد، وبعض مقومات الثقافة الوطنية يحكمها مبدأ الوحدة، وقبل كل شيء  هنالك: اللغة.

موضوع آخر احتواه إصدار الكاتبة العُمانيّة أمامة اللواتي عنوانه: “نحو خطاب منبري تجديدي”، بعد أن أدت التطورات في مناحي الحياة المختلفة إلى ظهور خطابات متنوعة تمازجت في ما بينها، وأصبحت اللغة المستخدمة والمفردات التي يتم توظيفها هي المفتاح لإيصال الفكرة وإقناع الجمهور بها. أين تنهي صاحبة الكتاب إصدارها بمقالين “لمن نرفع القبعة” التي تتحدث فيه عن علاقتها بالكتاب والقراءة، لتختتم بمقالها “علبة الطعام”، وهو عنوان لفيلم هندي بسيط خالٍ من قصص الحب الأفلاطوني والإغراء الحركي والجسدي الذي اجتاح سماء “بوليوود”، تدور أحداث القصة عن ربّة بيتٍ غير سعيدة، تجهز وجبة الغداء بشكل يومي لزوجها، وترسل له بها في علبة خاصة لتصل هذه العلبة رجلاً آخر، عن طريق الخطإ يدعى ساجان وخلال مراسلاتهم، تخبر ايلا ساجان برغبتها في ترك زوجها، والذهاب إلى ساجان، وفي الموعد المحدّد للقائهما، يكتشف ساجان انه اكبر عمرا، من ايلا الشابة الجميلة فيغادر المكان دون أن يلتقيها، وبعد ان تقرر ايلا المغادرة مع ابنتها الى بوتان، يقرر ساجان في نهاية الفيلم العودة والبحث عن أيلا مجددا.
الفيلم تكتب أمامة اللواتي في نهاية كتابها؛ الجدير بالذكر حاز على جائزة فيلم “فير” العريقة التي تمنحها السينما الهندية للأعمال الفنية و التقنية للمهنيين العاملين في صناعة السينما الهندية.
أما أنا وبعد قراءتي للكتاب الممتع فقد وجدت أنه جدير بأنّ يُقرأ لما قدّمه من معلومات وتجارب بطريقة بسيطة وممتعة.

الوسوم

نادية بن ورقلة

كاتبة وصحفيّة وأستاذة جامعيّة، تحمل درجة الدكتوراه في الإعلام، ولها برنامج في الإذاعة الجزائريّة (الجلفة) عنوانه: "من الأستوديو"، سبق لها أن أعدّت وقدّمت برنامج "إضاءات" الاذاعي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: