ثقافة

قراءة في رواية “حدثيني عن الخيام” للكاتبة اللبنانية فاتن المرّ

عندما قرأتُ رواية فاتن المرّ “حدثيني عن الخيام”، الصادرة عن دار الآداب اللبنانية (2014)، أعجبتُ بأسلوبها ووصفها المستفيض لوجهتيّ نظر صبيتين هما ماجدة وخالتها هناء، اللتين تتشاركان في ألم الفقد والخوف والعمل مع المقاومة والأمل.
تحدّثت الكاتبة في روايتها عن مجزرة “الخيام (1978)” في جنوب لبنان، لتعرض لنا ذكرياتها السوداء والهموم التي تتجاوز قدرة المرء على الإدراك، فبعد أنّ وصفت لنا الملجأ؛ أين كان الجميع يحتمي من قذائف وتفجيرات العدوّ الإسرائيلي.
هناء هذه المرأة الصلبة التي قضتْ جدتها ووالدتها ووالد صديقها، بعد أن داهم بيتهم العدوّ الإسرائيلي، وقتل أهلها بدمٍ بارد وسحب جدتها ثم أعدمها قرب الحائط رمياً بالرصاص رفقة أهل البلدة. هناءُ التي لم ترض بالمكوث في بيروت، وبقيت تقوم برحلاتها المكوكية بين بيروت والجنوب، في بلدٍ اعتراهُ الجنون، تعمل في الجريدة ومع فريقٍ تابعٍ لمديرية الآثار يقوم بجردٍ للمواقع الأثرية. هناء التي كانت دائماً في المقدمة، بينما بقي حبيبها ناجي في الخطوط الخلفية، يراقب و يتقصى بعض أوجه الحقيقة، ويدوّن، إلى أن وصله خبر إصابة هناء بجروح بليغة، لتختفي أربعة أشهر لم يسمع فيها شيئاً عنها، إذّ كان يفضّل الموت على الإعتراف بفكرة موتها، غادر هو الآخر إلى بلدةٍ بعيدة.
في هذه الغضون تظهر في الرواية شخصية الفتاة ماجدة التي توفيت أمها أثناء الولادة، وقدّر الله لها أن يكون لها أخاً توّأماً إسمه جواد، تعتني بهما جدّتهما فاطمة بعد أنْ تخلّى عنهما والدها الذي تزوّج بامرأة أخرى وأنجب منها، فلم يكن باستطاعته أن يوكِل مهمة العناية بهما لزوجته الجديدة. وبعد أنْ كبرتْ؛ عادتْ لتعيش رفقة والدها، الذي سحبها من حضن جدّتها محاولاً أن يُظهر لطفاً أبوياً، فتصبح ضيفةً غريبةً بعد أنْ وجدت نفسها رفقة ثلاثة صبيان أشقياء.
أمضت ماجدة كل أوقاتها في حوارٍ صامتٍ رفقة دمتيها فطومة، كانت تسعى أن تعود الى “الخيام” حيث كنف جدّتها، و لكنّ والدها لم يكن ليوافق لاسيما بعد رحيل أخوالها، وانتضامهم في صفوف المقاومة في الجنوب، وسفر خالتها هناء للعلاج من إصابتها في إيطاليا…
وبعد مُضيّ عام كامل على رحيل خالتها، ومكوثها أغلب الوقت في الملجأ، هاهي تعود لتلتقي بها مجدداً، بعد أن عادت من رحلة علاجها الطويلة ولكن عاد العدو أيضاً ليسلب منها جدّتها، بعد أن نجحت في الاختباء رفقة جارتهم آمنة وابنها الصغير علي والمعلمة سهام في السرداب الذي كان بمثابة الملجأ الآمن من القصف والاعتداءات الإسرائيلية. أما والد سهام المُقعد وجدتها رقيّة ولتعذّرِ إنزالهما بواسطة السُلم الخشبي؛ قُتلا في المجزرة.
لقد كان الضحايا بالعشرات يومها في الخيام، بيد أنّها ألْفتْ السلوى إلى جانب خالتها هناء التي وجدتها غريبةً عمّا ألفتها فيها حتى وإنْ التأم الجرح في وجهها وفي انحاء جسدها. كانت خالتها ملاذها الوحيد بعد أن فقدت أخيها التوأم جواد الذي اختطفته زوجة عمها، ليعيش رفقتها في إسرائيل.
تتوقف صاحبة الرواية في فصلها الثاني عند الاجتياح الإسرائيلي الثاني أين أمضت كل من هناء وماجدة جلّ وقتهما في الملجأ، أين كانت تصلها أنباء عن إصابة شقيقها سعاده، وتستذكر لنا هناء بكثيرٍ من الوصف حياتها الماضية في الخيام، وتعيد إحياء ذاكرتها المترسّبة عن حبيبها ناجي الذي لم تتمكن من الوصول إليه، ومعرفة مكانهِ، فترحل إلى “شتورا” رفقة ماجدة أين تقطن خالتها سعدية لتمضية بعض الوقت في هذه البلدة الهادئة،حيث تعرّفت على وديع، الذي وقعت في غرامه بعد أن التحق بصفوف المقاومين في الجنوب، وطلب منها مساعدتهم.
وعندما عادت ماجدة إلى الخيام لتبني بيت أهلها المهدّم من جديد، وتساعد في إخفاء المقاومين في سرداب البيت من أجل حمايتهم من الملاحقات والاعتقالات، تعرّضت للكثير من المضايقات والمداهمات التي انتهت بتحرير الجنوب في عام 2000.

ما يستوقفُ في هذا العمل الأدبي اللافت هو الصياغة الموفّقة للعناوين السريعة والبطيئة على حدّ سواء، أسلوب الكاتبة البسيط من غير ابتذالٍ والخالي من التعقيد من غير إسفافٍ، فضلاً عن وقوفها عند بعض تجاربها الحياتية التي تُحاكي فيها الواقع من خلال بعض المواقف التي عايشتها، هو فرار ذكي من تعاطي الواقع بدون مسافات فنية ضرورية.
هل ما قدّمته السيدة فاتن سيرةً ذاتيّة مختفية وراء شخوصٍ بعناوين زائفة؟

إنّ السيرة استعراضٌ غير حذرٍ لمفاصل حياة الشخص، تتّصف بالواقعيّة ما خلا الكذب والاحتيال على القارئ، أما الرواية فتعتمد على المخيال في شكله المديد، ويمكن أن تعمد إلى صياغة أحداث و حبكة من نسج المخيلة ونتخيّلُ نهايات وأفاق مفتوحة لها.

الوسوم

نادية بن ورقلة

كاتبة وصحفيّة وأستاذة جامعيّة، تحمل درجة الدكتوراه في الإعلام، ولها برنامج في الإذاعة الجزائريّة (الجلفة) عنوانه: "من الأستوديو"، سبق لها أن أعدّت وقدّمت برنامج "إضاءات" الاذاعي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: