الرأي

غباءُ المخابرات العربية وليس ذكاء المخابرات الأخرى!

أول ما لفت انتباهي في قضية مقتل الصحفي السعودي ردّة فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد اعتراها نوعاً من البرود والجمود، تجلّى ذلك بوضوحٍ حين لمّح إلى أن الولايات المتحدة، تتحمّل جزءاً من المسؤولية باعتباره كان مقيماً بأراضيها قبل تنقّله إلى تركيا حيث لاقى حتفهُ هناك. هذا في حدّ ذاته رسالة مشفرة من المستوى العالي، تقول التالي: إنّ الـ”كي جي بي” على علمٍ بحيثيات القضية من أساسها. ووفقاً لتسلسل الأحداث نتذكر جميعاً أن الرئيس الأمريكي طالبَ المملكة السعودية مقابلاً مادياً للحماية التي توفرها لها الولايات المتحدة الأمريكية، قائلاً للملك سلمان: “دوننا لن تستطيع الحفاظ على طائراتك”.
ترامب، وفي تجمّع انتخابي للجمهوريين بولاية فرجينيا، قال: “ إنّ الملك سلمان بن عبد العزيز يمتلك تريليونات من الدولارات، ولكن من دون الولايات المتحدة الأميركية (الله وحده يعلم ماذا سيحدث) للمملكة”.
تكرّر هذا في أربع مناسباتٍ قبل أن يحدث مقتل الصحفي جمال خاشقجي بحوالي أسبوع، بدءاً من يوم 29 سبتمبر 2018، ثم ما أعقبهُ وتلاه.
مما سبق نستطيع الجزم أن الولايات المتحدة كانت على علم بالجريمة قبل وقوعها، بل أراهنُ على أنّ لها يدٌ من بعيد في ذلك. طبعاً من المعروف أنّ أمريكا وكقوة عالمية متحكّمة في التكنولوجيا، تعلم بجميع الاتصالات لكل مسؤولي العالم دون استثناء! و عندما نقول اتصالات معنى ذلك؛ حتى التي تعتبرها الدول “الغبية” كالسعودية سريةً للغاية، و هذا ما جعل الرئيس الروسي يقول كلمته التي قالها،  والتي يتخلّلها نوعٌ من الاستفزاز، بالمعنى الذي يقول فيه: “إنّنا نعلم ما تعلمون لكنّنا صامتون”.
بعدما علمت أمريكا أنّ شيئاً ما سيقع، بدأت بمساومات حتى قبل وقوعها، لعلمها أنّ ذلك سيولّد صدمة شديدة، بإضافة بعض من بهارات الصحافة العالمية من جهة، والصحافة القطرية بصفة خاصة، لموضوع سيكون من الصعب على “أغبياء” الإدارة السعودية استيعاب الصدمة التي هزّت كيان عرشها منذ نشأتها.
في خضم هذه الأحداث لدى أردوغان سلاحٌ واحدٌ هو العقل والحكمة والذكاء الشديد، لقد استطاع الإحاطة بالملف وقدّم خدمةً لملك السعودية، إذ لم يكشف عن كل أوراقه خلال أيام المحنة، بل اعتمد سياسة الإيحاء والتسريب لبعض التفاصيل أملاً في أن تكون السعودية أكثر حكمة باعترافها. وبعد حوالي 16 يوماً اعترفت الإدارة السعودية بنصف الحقيقة، لكنّ ذلك لم يكن كافياً. بعد ذلك اضطر أردوغان في كلمته أمام البرلمان التركي إلى محاولة مساعدة المملكة، بدعوة الملك سلمان إلى تقديم القاتل الحقيقي للعدالة دون مماطلة. هذا كله لكي لا يترك للأمريكان وغيرهم من الأوروبيين فرصة الاستفزاز والمساومات التي من الممكن أن تكون السعودية ضحيةً لها.
أعتقد أنّ “آل سعود” لم يستوعب عقلهم الصغير الدرسَ، ولن يفهموه أبداً، أردوغان و من خلال شخصيته الحكيمة وتكوينه الثقافي ورصيده المعرفي، يسعى للحفاظ على علاقة جيدة مع السعودية، مراعاةً لمصالح الشعبين، بالإضافة إلى محاولة ردّ الاعتبار لبلده لأنّها كانت مسرحاً للجريمة؛ هذا إذا سلمنا جدلاً، أنّه سليم النية! أما إذا أردنا وضعه في خانة سيئيّ النوايا فإنّ هذا نوع من الإنتقام، ربما لتمويل السعوديين لبعض المنظمات الإرهابية التي كانت تسعى لتقسيم تركيا قبل مدة ليست بالبعيدة، إذا صحّ هذا الزعم الشهير،
إنّ هذا النهج بعيد نوعاً ما عن تفكير الرئيس التركي، فتركيبتهُ الشخصية لا تؤكّد أنّه الشخص الانتقامي الحادّ الطباع، بحيث يقدّم مزاجه الشخصي على مصلحة بلاده، إذ إنّ أرواق الضغط التي تتوفر لديه يمكن أن يستعملها لصالحه دون أن يلحق الأذى بخصمه.
في غضون هذه الأحداث وما أعقبها وتقدّمها بقليل، هناك حرب سريّة للغاية ما بين المخابرات الكبيرة؛ شديدة الذكاء. إذ إنّ أميركا ستنسحب من معاهدة نووية تاريخية مع روسيا حيث أكد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يوم 21 أكتوبر 2018 أن بلاده ستنسحب من معاهدة تاريخية للأسلحة النووية مع روسيا. وقال ترامب للصحفيين إن روسيا “انتهكت” معاهدة القوى النووية متوسطة المدى (آي إن إف) الموقعة عام 1987 (راجع خبر “البلد” عنها هنا)، واجهت ذلك روسيا بمبدإ المعاملة بالمثل أي أنها ستنسحب كذلك.
يعيدنا هذا إلى أجواء الحرب الباردة من جديد وسباق التسلّح الشديد بين البلدين. جديّاً إنّ كل الأحداث التي نعيشها الآن،  لها اتّصال ببعضها بطريقة أو بأخرى وبوتيرة متصاعدة، حتى وإنْ لم يبدُ ذلك للجميع، بيد أنّ خيوط المؤامرات تُنسج ليلاً ونهاراً بين العقول المخابراتية الكبيرة، في ظل اندهاش وذهول عقول مخابراتنا العربية الهزيلة والضعيفة جداً.

الوسوم

عبد الحميد بوعبدلي

إقتصادي مهتم بالقضايا الدوليّة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. شكرا على التحليل الموضوعي، الجهاز الدبلوماسي السعودي إضافة إلى الاستخبارات السعودية اثبتا فشلهما الذريع في التعامل مع القضية ككل.

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: