الرأي

عن غزّة

إن الناظر في وضع غزة ليقع في حيرة من أمره من حقيقة ما يحدث، ليس صحيحاً أن هناك وجه واحد للحقيقة، فهي تختلف باختلاف من ينظر إليها، باختلاف ما يؤمن به في أعماقه، باختلاف ما يشعر به تجاهها.

لم فُرِضَ على الحقائق أن تكون مريرة؟ ولم فُرِضَ علينا في غزة أن نعيش أمر وأفظع الحقائق، مهما اختلفت تفسيراتها. ربما لتجد أن بعضها مبنيّ على الأوهام، محاطة بجدار من زيف وتشدق بالبطولات والتضحيات، البسالة والصمود، الصبر في ظل ظروف يغض الصبر طرفه خجلاً منها.

من المشرف أن يموت المرء في سبيل قناعة يؤمن بها، لكن من المخجل أن يموت في سبيل قضية هالكة – في هذا الحين -، ليس من العدل أن تخوض حرباً دون أن تقدر نتائجها، دون ان تفكر في عواقبها، ليس من الشجاعة أن تضع رأسك بين فكي أسد، ربما ستجادلني بأن العدو أجبن من فأر، أنت محق، ولكن فأر مسلح ومحصن ضد أعزل لهو في هيئة أسد.

نحن لا نعيش ضمن قانون الغاب، ومن الغباء أن نعترف بهذا، فالغاب تلك هي قوانينه التي تحكمه، طبيعة جُبل عليها، لكن نحن! كيف غاب الإنسان فينا من الإنسان، كيف ماتت بذرة الخير فينا فما عاد يرق حالنا لكسير يحتاج عوناً في شدته، لبى الكثير منا الواجب المزعوم تجاه حق العودة المنتظر، فقد منا الكثير جزءاً من قلبه، وضاقت الحياة بمن فقدوه، حتى وإن قالوا فخراً بهم، لكن هل حقاً تعلم الخبايا وراء تلك الكلمات القائلة بالفخر والاعتزاز، هل شهدت دمع الأم والزوجات ليلاً، أم تحس بكسر ظهر الأب ذات فقد، هل يمكن أن تستشعر النار ما لم تلسعك!

هل حقاً لو شاهدت شخصاً فقد قدمه أو يده أو تعرض لتشوهٍ ما، تنظر له بعين الفخر؟ أم بعين الشفقة رأفةً بحاله.

كفانا كذباً على أنفسنا، فقد أمست قيمة الكذب كقيمة الواقع ضمن الحياة اليومية، نلهث خلف أوهامٍ من المجد والبطولات، لكن الحقيقة خلف هذا، كسر وقهر، وما قتلنا إلا القهر.

أن تفقد جزءاً من جسدك، ويُرفض أن تعالج، أبسط حق بعد أن ضحيت لأجلهم، فحص طبي على الأقل، أن تستجدي رجل الأمن لعونك، ويلفظك خارج بوابات المشفى، أن تفقد كرامتك وتعلن أنك ذهبت لأجل أبناء وطنك، فيرد بكل لؤم الأرض أنك ما ذهبت من أجله، بل من أجل “مسؤول أحمق” فاتركه يعالجك، أن يضيق بك الحال، تنسى وجع قدمك، يؤلمك شيء آخر، كرامة مهدورة من أجل لا شيء، وتفر دمعة من عينك، وتغادر كسيراً، ليست مجرد كلمات مخادعة لأستجدي رفضك لمسيرات العودة، والله لهي حقيقة، حقيقة غادرة.

يلفظك الوطن، تنساك الذكرى، فتغدو سراباً ما كان يوماً، اللهم إلا إن كنت ابن مسؤول أو قائد أو شخصية هامة ما، فتغرق بالنعيم من كل ألوانه، أما أنت، فلا جدوى حتى من التحسر، تبقى قابعاً في بؤسك إلا أن يرحمك رب العباد.
غزة، ما عادت سوى مدينة تقتات على البؤس والضجر، لا مكان فيها سوى للموت والغياب، تأكل قلوبنا كل يوم، وتلفظنا على قارعة طرقها، نقتات بشاعة الحياة.

من المسؤول عن كل هذا، من فرض علينا هكذا حياة، اللعنة على من يقول بشجاعتنا، من يفخر من وراء حدود ومسافات وأنهار وقارات ببسالتنا وتحدينا للعدو. لحظة فارقة، بعد أن نفصح لغريب أننا من وطن يقهر الغزاة، فتنتابنا رعشة فخر، ليمن علينا بشفقته، فيكسر قوتنا، هذا هو الحال الحقيقي لنا.
اللعنة الأبدية على كل مسؤول في هذا البلد، كل متخاذل يتشدق بكلمات منتقاة، وهو لا يعلم من العيش إلا الرغيد، وما جرب البؤس يوماً، اللعنة على كل الفصائل والأحزاب والانقسامات والتحالفات والمعونات، اللعنة على من يتخذ من الشعب ذريعة لينمو كرشه كحبلى في شهرها التاسع، ولا ينال الشعب إلا الفتات.
لا نكره الوطن، الوطن قدسيّ، بأمنه، باستقراره، بحضنه لأبناءه، لكن ما كانت الأوطان يوماً أسمى من النفس، والله ما كانت يوماً.
ليس من العدل أبداً أن أشعر بالفخر وأنا أرى جثة يتراقص الذباب على دمائها.
ــــــــــــ
Getty Images: محمد شومان يعزف الموسيقى قرب حطام منزل عائلته، مدينة غزة، حزيران 2015.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: