ميديا

عن الإعلامي الجزائري بلقاسم غضبان أحدّثكم: رجلٌ بقيمة مؤسسة!

بلقاسم غضبان مؤسس فكرة الإذاعات المحلية في الجزائر، إنّه رجلٌ بضخامة مؤسسة، وإنسانٌ بمستوى حقبة؛ اليوم أردت أن أخصص مساحةً لرجل اعتبره؛ المؤسّس لفكرة الإذاعات المحلية في الجزائر، إذ كان له الدور الريادي في تأسيس مشروع “الإعلام الجواري” كما يعود له الفضل كونه المسئول عن انطلاق أولى الإذاعات المحلية في الجزائر، وهي إذاعة بشار الجهوية في بداية التسعينات، بعد أن اجتهد في فتح قطاع الإعلام على مبادرات جديدة، وكانت مبادرة الإذاعة الجزائرية إلى إنشاء أول إذاعة محلية في تاريخ الجزائر المستقلة في بشار في 20 أفريل 1991، والتي أطلق عليها اسم “إذاعة الساورة “.
بعد صدور المرسوم المتعلق بإنشاء المؤسسة الوطنية للإذاعة في الفاتح جويلية من سنة 1986، والذي جاء على اثر عملية تقسيم مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأم إلى أربع مؤسسات، بعد أن صدر مقرر وزاري في شهر أكتوبر من نفس السنة يقضي بإنشاء محطتين جهويتين في كل من ورقلة وبشار، كان الهدف من ذلك تدعيم القنوات الوطنية الإذاعية الأخرى، بتزويدها بالإنتاج البرامجي والإخباري.
لقد كانت هذه هي الانطلاقة الأولى والفعلية لهذه المحطة الرائدة من غرفة صغيرة جداً لا تتّسع لأكثر من اثنين، كانت بمساحة حمام منزلي.
في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، انطلق أول صوت معلنا: هنا إذاعة الساورة من بشار. لتدشن بذلك عصراً إعلامياً كانت فيه، أول إذاعة محلية في تاريخ الجزائر المستقلة إثر مكالمة هاتفية من طرف السيد المدير العام للإذاعة آنذاك، لقد كان التخوّف كبيراً وقتذاك، لاسيما أن الجزائر تدخل عهداً جديداً بخطى مضطربة؛ عهد التعددية السياسية والتحوّلات الاجتماعية، أين بدأ النشاط الفعلي لمحطة بشار الجهوية من خلال رصد وتغطية أحداث وأنشطة منطقة الجنوب الغربي عن طريق مُراسلات أو بث مباشر ضمن برامج القناة الأولى.
أصبحت “إذاعة الساورة “أمراً واقعاً، خاصة بعد أن قوبلت بالرفض القاطع في البداية، عندما طُرحت فكرة إنشاء إذاعة محلية ببشار على الهيئة الوزارية المكلفة بإعادة هيكلة الإذاعة والتلفزيون، بيد أنّ فكرة التأسيس والإنشاء ظلت وبمرور الزمن تطرح نفسها بحدة واقتدار، لإسماع الصوت الممتد من أعماق الجزائر، حتى يبقى صوت الإذاعة الشاهد الأبرز على ثراء التنوّع داخل مجتمعنا من أجل إيصال صوت الإذاعة المحلية دون نزاع جهوي.
الأستاذ بلقاسم غضبان الذي اعتبره بمثابة ” الأب الروحي للإذاعات ” كرّس معظم حياته في البحث عن إدارة حكيمة وتسيير حرفي للمحطات الأولى، تلك التي أمضى جلّ وقته في التفكير والاجتهاد في بعثها وجعلها مشروعاً إعلامياً ناجحاً.
كانت طفولة هذا الرجل الصارم بسيطة، ففي نهاية الخمسينيات وأوائل الستينيات، عايش فترة عصيبة من تاريخ الجزائر “مرحلة الثورة ” التي لا زال يتذكرها رغم صغر سنه في تلك الحقبة أين كان يعيش في البادية. أخبرني محدّثي أنه كان يرى جده يقدم يد المساعدة للفدائيين والثوّار في تلك الفترة المفصلية، أتذكر جيداً -يقول بلقاسم غضبان-: عندما كانوا يزورننا في بيتنا ليلاً، ورغم صغر سنّي إلا أنّي كنت على درجة كبيرة من الوعي، إذ كان يتوجّب عليّ عدم الإبلاغ أو الإفصاح لأي كان عمّا كنت أراه تحسباً من أي وشاية، حتى أتى اليوم الذي تعرّضت فيه للاستنطاق والتعذيب من طرف جنود الاحتلال، لقد حاولوا إجبارنا أنا وأخي على الاعتراف، كنت يومها لم أتجاوز العشر سنوات..
عدنا مساءً منهكين إلى البيت من فرط التعذيب والإخضاع، ورغم ذلك كنّا نشعر بنشوة الانتصار، لأنّهم لم يتمكنوا من الحصول على ما أرادوا، لقد حُرمنا من التدريس فلم يكن بوسعنا الالتحاق بالمدارس خاصة أطفال القرى والمداشر التي كانت ترزح تحت نير العدو. لم يسلم سكان هذه المناطق من التهميش، الاعتقال والتعذيب.

هذا الرجل الذي آمن بفكرة الاستقلال كما آمن بفكرة الإذاعات التي ناضل وباستماتة حتى جعلها أمرأ واقعاً، لم يدخّر جهداً ولم تتمكن كل المصاعب في تلك الفترة من ثني عزيمته ودفعه نحو التخلي عن الفكرة والاستسلام والرضوخ لما يمليه الواقع حينئذ، إنّه يدرك جيداً أنّ المرور إلى الضفاف المفتوحة غالباً ما يكون بالعبور من المسالك الوعرة والسكك الضيقة..
حظيتُ بالعمل رفقته، وعاينت عن كثبٍ صرامته وانضباطه، فلا مجال عنده للخطإ، كل ما يُقدّم يجب أن يظهر بصورة مشرّفة وجيدة. في كل اجتماع يجمعه بالمنشطين كان يبدي رأيه ويناقش كل التفاصيل بدقة متناهية ودون هوادة. يستيقظ في الصباح الباكر كما وردني، يراقب أداء المنشطين عند افتتاح البث في مستهلّ النهار، ليعاين المواد التي تُقدّم، فلم يكن هناك مجال للمماطلة أو الارتجال في العرض والتقديم.
أمضيت ما يزيد عن أربع سنوات في هذه المحطة كمتربصة في بداية المشوار القصير بعد أن انتهيت من مناقشة رسالة الماجستير التي كان عنوانها “دور الإذاعات المحلية في تكريس ثقافة الوعي لدى ساكنة المنطقة”، وقدّمتُ إذاعة بشار كأنموذج للدراسة، لأعود بعدها إليها، لأزاول هذه المرة؛ مهنتيّ التنشيط والتقديم، انتقلُ بذلك من البحث وتحرير المذكرة البحثية إلى الممارسة الميدانية التي جعلتني أكتشف عوالم جديدة في مهنة العمل الإذاعي، الذي أكسبني روح المسؤولية، وزاد في قدرتي على تحمّل مشقة وضغوط العمل ومعنى احترام الوقت.
كما شعرت خلال تلك الفترة بالكثير من المتعة، أتذكر جيداً، ذلك اليوم الذي كنت أصحو باكراً جداً لتجهيز نفسي للالتحاق رفقة سائق الإذاعة بالمحطة، تحدوني يومها رغبة كبيرة في الإسراع حتى أدخل الاستديو قبل شروق شمس الصباح؛ أجلس على الكرسي وأعلن عن افتتاح البث “هنا إذاعة الساورة مرحبا بالجميع”، وعندما التقي مدير المحطة السيد بلقاسم غضبان بعدها بقليل، يلقي عليَّ تحية سريعة قبل أن يتوجّه إلى قسم الأخبار والإنتاج لمتابعة سير العمل، لنلتقي لاحقاً في جلسة تنسيقية، أين كان يُبدي امتعاضه وغضبه اغلب الوقت إيماناً منه بفكرة مفادها؛ كلما قدّمت انجازك باحترافية متناهية، يضيق هامش الخطإ كثيراً في عملك، إذ لا مجال لارتكابه البتة.

اليوم وبعد أن شغل منصب مدير لسنوات طويلة جداً، وأحيل على التقاعد، بقي لفترة بمنطقة “تاغيت” أين حاول أن يبتعد عن صخب المدينة ويُريح نفسه من عبء السنوات ومشاق التجارب المهنية المتراكمة، لم يتذكر فضله إلا قلةٌ من الناس، تعمّد نسيانهُ، من خلّفَهم وراءه، أولئك الذين قدّم لهم كل سبل الدعم ويد العون وكتف المرافقة، قوبل مساره النضالي الذي تحمّله رغم كل الصعاب بكثير من التهميش والجحود، وخرج من هذه المهنة التي نذر إليها حياته، بتكريم هزيل لا يساوي في ضآلته؛ كبر حجم هذا الرجل الذي استبدل بيتهُ بالأثير..
اليوم يعيش في هدوء رفقة عائلته الصغيرة وحفيدته التي جاءت مؤخراً إلى هذا العالم لتنسيه قساوة البشر وتُخفّف عنه وطأة الجحود من أناس لم يتوانَ يوماً في مساعدتهم، فلم يردوا له الجميل، ولم يسدوا لهُ الشكر كما ينبغي لتلميذٍ أن يشكر أستاذه.
فتحية منّي لهذا الرجل الذي علّمني كيف أعتمد على نفسي وأستندَ على ثقتي، وأجابه كل الصعاب في سبيل حب المهنة، فيبقى أثير الإذاعة بمثابة القلب النابض بداخله كما كان دوماً..
لقد كان قراراً شجاعاً، لان العمل بالمحطة انطلق من العدم ، فقرر الرجل الاذاعي الذي حمل المشروع في فكره و في قلبه ان يرفع سقف التحدي عالياً، ويبدأ في تجسيد حكاية حلم الى واقع معاش، إنّه السيد بلقاسم غضبان الذي بجهاز التسجيل المعروف باسم ( ناقرا) وعدد قليل من الشباب المتحّمس الطموح استطاع أن يصنع الفرق.

الوسوم

نادية بن ورقلة

كاتبة وصحفيّة وأستاذة جامعيّة، تحمل درجة الدكتوراه في الإعلام، ولها برنامج في الإذاعة الجزائريّة (الجلفة) عنوانه: "من الأستوديو"، سبق لها أن أعدّت وقدّمت برنامج "إضاءات" الاذاعي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أستاذ، أب، و مؤسس لإذاعة الساورة، اشهد له و لاعماله الثقافية من اجل الارتقاء بالبلاد….. بارك الله فيك و في عائلتك

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: