ثقافةصحة ومجتمع

علاقة القارئ بالكتاب

لا يعلم هذه العلاقة حقاً إلا المفتونين بها، فعندما يفتح القارئ الكتاب يصنع توليفة بين حسه والكتاب يعيشها بكل حواسه، يدخل عالماً جديداً يكتشف ويرى وينفعل ويجني من خلاله أفكاراً جديدة، ويتغذى على هذا، وينتعش بذاك…
هناك الكثير من القرّاء المتمرّسين أصبحت عندهم القراءة، عادةً يوميةً ملازمةً لهم، لا يمكن التفريط فيها، يستطعِمون الكتاب بورقه وحبره ورائحته، ويستقبلون عوالمهِ بحب وشغف شديدين، فتمضي الساعات بدون أن يشعروا، فيتغلغلون في العمق ويبحثون في المعنى فيستنتجون ويكتشفون.. فتتأجّج عقولهم، ويفرحون بالانتصار، ولن يرضوا إلا بهذا حتى تصبح لهم طاقة لا تقبل الركود والسكون.

يفكر القارئ بعقل كتابه، فينفتح على العالم الخارجي، بشقّ أفقٍ لهُ لا يراها إذا كان منغلقاً على فكره، ونطوياً على ذاته. نتوقف عند سؤال أساسي: لمَ هذه الروح بين القارئ والكتاب نسبتها ضئيلة في عالمنا العربي؟
هناك ثلاث أساسيات تحول بين القارئ والكتاب، أوّلها: عدم ترويض النفس على هذه العادة، وقد يصاب القارئ بالملل تتوق نفسه لأشياء أخرى، اعتاد على إعطائها الأوّلويّة، حتى وإن كانت أقل شأناً، وهذا ناتج عن دور الأسرة والمجتمع في ترتيبك القراءة في حياتنا، فعلى القارئ وحده أن يعيد هذا الترتيب من قيمته، وما يعيق القارئ عن كتابه الأحكام المسبقة فعليه أن يكون أكثر ليونة وانفتاحاً ومرونةً حتى يفهم خلفيات المادة التي بين يديه فيستطيع أن يحكم!
وهنا يكون قد صنع مناعة فكرية يغربل ما يبحث عنه، إما يدعم أفكاره وإما ناقداً بنّاءً.  وأخيرا لا يجدر به أن يتعالى على النص فحتى لو لم يتفق مع ما كُتب وإن لم يرُقْ له، فلا يُقزّم من قيمة المجهود، فربما لم يفهم القصد أو لم يكتشف بعض الخبايا أو هذا الطرح بعيدا عن ميوله وفكره وقد يرُقْ لآخر دونه.
لا توجد رحلة قراءة بلا قيمة، ذلك أنّ عالم القراءة غني لمن أراد أن يستثمر فيه، وإن وجدت بعض الثغرات والعثرات في مكتبتنا العربية فهي قابلة للإصلاح والتعديل بالنقد البناء والعقليات المرنة والمتطلعة، فمن كان قارئاً حقاً فهو المروّض لنفسه والمسيطر على كل جوارحه، المرن، السلس، المهيّئ للاكتشاف، فيسافر عبر الأزمنة والأمكنة والإيديولوجيات صبوراً على رحلته ومتواضعاً فيها حتى يغنم بما يريد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: