الرأي

“صفقة” ثمنها دم جمال خاشقجي

الجميع انتظر من اردوغان رواية قصة (المنشار) بكل تفاصيلها حتى كادت بعض القنوات أن تضع علامة (+18) على البث المباشر من مبنى البرلمان التركي، لكنّه لم يزد على إعادة صياغة القصة المتداولة في الإعلام بشكل متسلسلٍ،  تماماً كقصص ما قبل النوم. ما يثير حفيظة أي عاقلٍ؛ هو صمتُ مسؤوليّ المملكة بالجملة على رأسهم وزير الخارجية عادل الجبير! ثمّ وبشكل غير مسبوقٍ في اليوم الثاني لمؤتمر الرياض للإستثمار يظهر ولي العهد على أريكة مريحة (مرتفعة حوالي 03 سنتمتر عن غيرها) بجانبه سعد الحريري، وفوق هذا كانت جلسة تشبه جلسة مسائية تتخلّلها مزحات، لست أدري بالضبط ماذا يريد بها ولي العهد السعودي … الأرجح أنّه يسعى لإقناع الجميع أنه مرّ بيوم عصيبٍ قبل هذا اليوم في مكالمة ماراتونية مع الرئيس التركي، أدّت إلى انشراح وانفراجة كبرى في المأزق المحكمِ الذي مرّ به ولو قليلاً ولي العهد خلال الأسابيع المنصرمة، و إذا أردنا التعرّض للدلالات خضوعاً للتداعي؛ التي جاءت في هذه المكالمة أو الصفقة نجد التالي:
بعد طلب بن سلمان مكالمة أردوغان بحسب البيان الرئاسي التركي، جاء البيان يصف المكالمة بأنّ الطرفين ناقشا خلالها الخطوات اللازمة لتسليط الضوء على قضية المواطن جمال خاشقجى بجهودٍ مشتركة، أيّ تنسيقٌ ثنائي مغلق! فالمتتبع لتفاصيل القضية تتجلّى لهُ المساحة الرمادية أكبر من المتوقّع من هامش انتظار خطاب الرئيس التركي، في الوقت الذي تأكّد الجميع أن أردوغان ينتشي بالمطالبة بإظهار الحقيقة كاملة وسحبها من تحت أرجل آل سعود، و تعمّد على غرار ذلك؛ عدم ذكر ولي العهد والاكتفاء بذكر محاسن أبيه. وللحقّ؛ لقد تبيّن أنّه مراوغ ماهر، وكأنّه يقول للسعودية بكلمات الأغنية التركية (تعالي إليّ، ولا تخافي و لا تستحي أحتاج إليك).

وقصارى القول أنّ بن سلمان بعد أن حفظ القصاصات التي فيها الجمل المرتبة،  وبُعيد الاستجابة العريضة للمطالب، قال مامفاده؛ أنّ السعودية بوجود سلمان وولي العهد محمد بن سلمان وتركيا برئيسها، سنفوّت كل فرصة للإخلال بالعلاقات بين البلدين، وسنتزعمُ العالم “السنّي”، مردفاً بالقول: أصبحنا نعرف أعز الأصدقاء وألدّ الأعداء.
في غضون هذا كله أُشفق على محرّر صحيفة “عكاظ”، ماذا سيقول بعد ما نشر مقال بعنوان (تركيا ليست آمنة للسياح)، يُعرض فيه وبالأرقام، العمليات الإرهابية التي ضربت تركيا خلال العقود الأربعة السابقة، التي من شأنها أن تزيد من مخاوف زائريّ الجمهورية التركية، من المحتمل أن يبتلع لسانهُن وقد حدثَ حقاً، تمهيداً للإنقلاب 180 درجة للجهة العدوة بالأمس القريب.
إنّ الذي نستفيد منهُ من كل ما حدث وسبق؛ أنّ العلاقات الدولية أكثر ما يتحرّك فوق البسيطة، طبعاً هي تخضع لمبدإ واحد هو: المصالح، بعيد عن كل اعتبار آخر، وكل ما نراه في واقع الحال، هو في الأساس صفقات للدول مغلّفة بأغلفة المبادئ العامة والإنسانية على غرار صفقة خاشقجي….

الوسوم

عبد الحميد بوعبدلي

إقتصادي مهتم بالقضايا الدوليّة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: