ثقافة

شبابي المغتصب!

وحيدًا، أدخن سيجارتي بل حبيبتي وعشيقتي، مؤنستي… أرتشف معها القليل من القهوة الباردة الخالية من السكر، حتى سمعتُ أمي تهمس لأبي : أصمت، ما الذي تقوله يارجل، لا تتحدث أمامه لنتحدث لاحقًا ..
أنا لم أنطق بحرف كعادتي فقط اكتفيت بالنظر لهم، لم افهم عن ماذا كانا يتناقشان ..
لكن اللحظة نفسها ذكرتني بيوم قديم سيء، يوم انقلاب حياتي رأسا على عقب…
أنا أعلم جيدًا ما تخفيه أمي وراء هذه التعابير في وجهها، إنها تعابير شفقة وحيرة على مستقبلي، على صحتي وسلامة عقلي..
أعرف جيدًا هاته النبرة في صوتها، انها تشبه 
نبرته في ذلك اليوم المشؤوم، يوم كان أبي يصفعني بكفه لأركب سيارة الجمعية لأخذي الى مستشفى المجانين، والمرضى عقلياً..
أتذكر يومها جيدًا ولا يمكنني نسيانه، كنت في سنتي الثالثة ثانوي مقبل على الباكالوريا،
غريبًا، لي نظرة حادّة، وتفكير عميق، ذكي جدًا،
لكنه لم يكن ذنبي اني انحرفت، وتركت مقاعد الدراسة رغم ذكائي وفطنتي، رغم أنه كان من الممكن أن أصبح شيئًا مهما، لكنه لم يكن ذنبي اني انحرفت يا أمي، أنا آسف ..
لا ادري ما اصابني لكنني منذ ذلك اليوم الذي لاقاني فيه الشابان في ذلك الشارع ليلاً، ذلك الشارع الضيق، الخانق للانفاس المخيف، من يومها وأنا لست بخير! اُغتصب شبابي، اُغتصب عقلي ..من يومها فقدتني يا أمي!
فقدت عقلي يا أمي ..
لن انسى لحظة وقوفي عند حافة السيارة ورؤية دموع أمي تنهمر مكتوفة الأيدي، هي تبكي وأنا أصرخ بأعلى صوتي، أنااااا لست مجنوون ، أنا لست مجنون يا أبي أرجوك أتركني،كانت الصفعات تأتيني من كل جهة لم أستوعب حتى وجدت نفسي عند باب المستشفى..
تلك النظرة الطويلة القيتها على كل زاوية في المستشفى، في ثانية ربما أدرتُ عيناي على المكان برمته في جزء من الثانية، كان الخوف يأكلني، لحظتها فقط احتجت حضن أمي، وبشدّة، أحسست بقبح العالم من دونها، وكيف ستعيش من بعد مارأتني في ذلك المنظر المثير للشفقة!؟ كيف هي ياترى!؟ هل مازالت تبكي !؟ أم أنهم أوهموها بأني حقًا مجنون !!
ذهب أبي وكأنه تركني في الجنة ذهب بكل اريحية لا ادري من اين اتيت بكل تلك القسوة يا أبي!؟ ألست ابنك البكر !؟ الست عزيزك ! كنت لتحاول معي قليلاً فقط، كان من الممكن القليل من الطهارة والكثير من القرآن، والنقاش معي، ليشفيني ! لكنك لم تكن تملك وقتًا هه ..
خرج أبي من باب المستشفى،واضحيت وحيدًا بين الكثير من المرضى و الغرباء..
جلست في زاوية أتأمل، أستوعب الموقف، حتى تأتيني إبرة في رقبتي فجأة وبدون سابق انذار، لألتفت بألم حاد في رقبتي، أجد تلك الممرضة تنظر إلي وتبتسم سحبت الإبرة وذهبت وأنا استلقيت في فراشي دخلت في نوم عميق لا أدري كم ساعة ظللت نائمًا..
الكثير من الألم، والحنين لحضن أمي، الكثير من الاستغراب والدهشة، الكثير من التساؤلات!! حتى استسلمت، واصبح لي أصدقاء، صحيح أنهم مرضى، لكنهم كانو أحن لي من أبي على الأقل..
تعلمت التدخين هناک، وجدته في وقت حاجتي ووحدتي وللآن وفيًا له وأرتشفه آلاف المرات كل يوم..
نبرة صوتك اليوم يا أمي ذكرتني بكل تلك الأيام والمواجع.. أظنكم تفكرون في أخذي لطبيب ما مرة ثانية وبعد كل هته السنين التي مضت تأملون بشفائي!؟ هه الأدوية جعلت من عقلي يتآكل يا أمي لا شئ ينفع الآن فقط عيشوا حياتكم تزوجوا وانجبوا واشتروا، وابتسموا، واتركوني أنا في زاوية غرفتي مع سجائري حسنًا !؟ فقط كل ما اطلبه منكم الآن،
اتركوني وشأني..

ـــــــــــــــــــــــ

 

• هامش تحريري: اللوحة أعلى النص؛ للصحفي والفنان والكاريكاتيرست في موقع “ألجيري فيزيون”: عبد المجيد مهنّي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: