الرأيالعالم

سرقة التاريخ من صور إلى فلسطين

عام 1978 في مدينة صور، إبّان الإجتياح الأول، وتحديداً على طريق قانا، أجرى جيش العدو الإسرائيلي حفريات قرب قبر الملك أحيرام إنتهت بإخراج تحف مختلفة لم يعرف عددها، ولا حجمها، ولا أهمّيتها التاريخية، ونقلها جوّاً إلى فلسطين المحتلة. ولم يكتفِ بهذه السرقة، بل أقام في محيطه مركزاً عسكرياً خصّص لاستقبال البعثات الأثرية التي استباحت العديد من المواقع الأثرية في الجنوب، ولم يتركه إلاّ بعد انسحابه إلى ما سمّي بمنطقة “الشريط الحدودي”.

وليس بعيداً عن مكان هذا القبر الذي نجا ناووسه بفعل وضعه في المتحف الوطني في بيروت وهو يحوي كتابات تعود إلى العام 1200 قبل المسيح، عمل “الإسرائيلي” على تخريب الملعب الروماني الشهير في مدينة صور حيث جرف المدافن والأسواق العتيقة، وسرق كمّيات من القطع الأثرية البيزنطية التي لا مثيل لها في العالم.

هناك الكثير من افعال العدو الاسرائيلي التي لا حصر لها، في تخريب ونهب المواقع الاثرية في المناطق التي احتلها في لبنان وما زال يحتلها في فلسطين، وأهم اهدافه ايجاد مسوّغ تاريخي للوجود الصهيوني اليهودي في ارض فلسطين “ارض الميعاد” بحسب روايتهم التوراتية .
ولا يمكن فصل الأهداف السياسة والدينية في ذهن الإسرائيلي عن نهب الآثار، إذ أنّها ترمي في الدرجة الأولى إلى ضرب الهويّة التاريخية للوطن برمّته على مرّ الحضارات التي تعاقبت عليه، عبر إجراء حاجز من الفصل والانفصام بين الماضي والحاضر، وإزالة معالمها، ثمّ محاولة تزوير الحقائق التاريخية لكي يتسنّى له تهويد هذه الحضارة تدريجياً.
يقول شلومو زند، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة تل أبيب: “لقد حاولت الصهيونية منذ بدايتها خلق علاقة تاريخية بين اليهود في العالم وهذه الأرض أي فلسطين، في العهد العثماني ثم في عهد الانتداب عن طريق تجنيد التوراة وتحويلها إلى كتاب تاريخي، كان هذا بمثابة القوشان الأول الذي ربطت به نفسها بهذه الأرض وأعطت شرعية للاستعمار، وضعت كل المعجزات جانباً وأبقت على الأساس التاريخي الذي يقول إن هذه الأرض كانت للعبرانيين القدماء ولليهود. لن أشوه التاريخ من أجل إعطاء الشرعية للاستعمار هنا، أريد أن أشدد على أنني أعتبر هذا استعماراً صهيونياً وأعتقد أن كل المبررات التاريخية كذب وافتراء”.
ومنذ العام 1913، أسّست إسرائيل “جمعية أبحاث أرض إسرائيل وآثارها”، من أجل إجراء بحوث حول أرض “إسرائيل” وآثارها، لتبحث في “التوراة في أرض التوراة”. فالإسرائيلي لا يرغب في احتلال الشعب والأرض، بل يريد الأرض فارغة، دون سكان، دون تاريخ، دون هوية.
“كل ابتكار هو ملك الإنسانية جمعاء. لهذا وجب على الدول أن تتكفل بالحفاظ على تراثها وتراث غيرها من الشعوب، لأن هذا التراث هو ملك الإنسانية كلّها. هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فحدّث ولا حرج.
يمكن القول إن منطقة الشرق الأوسط تحوي أقدم الحضارات التاريخية والإنسانية منذ أقدم العصور، بل هي غنية بشواهد لا مثيل لها في الكون من حيث القيمة الفنية والتاريخية والتقنية. لكن الحروب الكثيرة والمتواترة التي أتت إلى المنطقة، استباحت الأوطان، والذاكرة والتراث والحضارة. فكانت الخسارة في الإرث التاريخي لا تقل فداحةً عن الخسارة في الأرواح وهدر دم الشعوب كما هدم ماضيهم.
في الحرب العالمية الثانية، أُعلنت كلٌ من باريس وروما “مدينة مفتوحة”، “أي أن القوات المعادية تدخلهما دون اطلاق رصاصة واحدة” خوفاً على آثارهما ومتاحفهما فى الميادين والشوارع. قرار الحكومتين في تلك الفترة، ناشىء عن وعيٍ وإدراك لما لتاريخ هاتين المدينتين من أهمية في الحفاظ على هويتهما، حتى في ظلّ الإحتلال، وفي أشد الحروب دماراً وعنفاً في تاريخ البشرية الحديث. هذا القرار هو ما يسمح لنا اليوم بالتجوّل في “مدينة الأضواء- باريس” وفي عاصمة الإمبراطورية الرومانية، والإستمتاع بأجمل معالمهما التاريخية العريقة.
عام 2003، شُرّعت مدن العراق،أرض الحضارات الإنساينة الأقدم، أمام الإحتلال الأميركي. ما لحق بالمتاحف العراقية من سرقة منظمة وتدمير وأعمال تخريب ممنهجة وغير ممنهجة، جريمة بحق التاريخ، وبحق الذاكرة الإنسانية.
يتواجد في العراق حالياً 12 الف موقع أثري، لا تسلم من بطش الإعتداءات اليومية المتكررة، بدءاً من الغزو الأميركي، وصولًا إلى ظهور “داعش” في الأراضي العراقية. آخر تلك الأحداث، تدمير شواهد الحضارة الآشورية، باستخدام الأدوات اليدوية والكهربائية، في متحف الموصل ومن بينها “تمثال بوذا النادر والوحيد من نوعه إضافة الى بعض القبور والأضرحة. كما دمّروا التمثال الآشوري الكبير الذي يعتبر من أقدم الآثار ويعود تاريخه الى القرن 19 ق.م، وقاموا بتحطيم الثور المجنح الخاص في بوابة نركال”.
تحضر هنا عبارة الكاتب الداغستاني رسول حمزتوف فيما يتعلق بحماية التراث، إذ قال: ”إن من يطلق مسدسه على الماضي فكأنه يطلق مدفعاً على المستقبل”. يُخشى على الأجيال القادمة بأن تصبح بلا شاهد على تاريخ حضارتها. هذا التدمير الذي يطال الآثار- ذاك التراث الإنساني العريق- ليس استهدافاً للحجر، بل هو استباحة للحضارة الإنسانية جمعاء: تاريخها، ذاكرتها، حضارتها، وإرثها. لا يظنّن أحد أن التعدي على حضارة بلدٍ مجاور، هو بعيدٌ عنه ولا يعنيه. الإرث الحضاري جسم متصل زمنياً ومكانياً، ويتعلّق بجغرافيا وتاريخ المنطقة التي تنشأ فيهما هذه الحضارة أو تلك.
وما حدث في تدمر ليس ببعيد عن استباحة التراث والآثار التاريخية لمنطقة بلاد الشام، فما يحدث سواء من الاسرائيلي أو الاميركي أو داعش هو أشبه بعملية ممنهجة لطمس ودثر المعالم التاريخية لتلك المنطقة.
إن إعدام عالم الآثار السوري خالد الأسعد الذي رفض الخروج من مدينة تدمر مع دخول عناصر “داعش” إليها، لم يكن بحجة أنه ممثل للنظام في المؤتمرات العالمية، ولا لكونه مدير “متحف الأصنام في تدمر الأثرية”، بل لأنه رفض “الإستتابة” التي فرضها المسلحون عليه وعلى غيره من الأهالي والموظفين الحكوميين، إضافةً إلى رفضه الإدلاء بأي معلومات تدلّ على الأماكن المحتملة لدفن الآثار التاريخية. إن كانت “داعش” تستحق كل الإدانة على كامل أعمالها الإجرامية، فهناك أيضاً طرف خفي ومتستر في المقلب الآخر، لا يقل إجرامه عن “داعش” يعمل في الليل والنهار على الإتجار غير المشروع بالآثار من سرقة وشراء ومصادرة للإرث الحضاري من منطقتنا، ونقلها إلى متاحفه التي أُتخمت بالمقتنيات الأثرية المشرقية.
طالت يد الإجرام آثار مدينة تدمر “عروس الصحراء” و”بلد المقاومين” كما تعرف باللغة العمورية، و”البلد التي لا تقهر” باللغة الآرامية. على المسرح الروماني لمدينة تدمر، قام أطفال من “أشبال الخلافة” كما يطلق عليهم، بتنفيذ واحدة من أبشع جرائم تنظيم “داعش” حيث أعدموا بالرصاص 25 جندياً سورياً. هذه الصورة التي طبعت في ذهن المشاهد، لن تستطيع أن تشوّه الوجه الحضاري لهذه المدينة العريقة، القديمة قِدَم الإنسانية والمزدهرة منذ قديم الزمان كمحطة أساسية على طريق الحرير.
قيل: “اعتنوا بماضيكم حتى تحموا حاضركم ومستقبلكم”. يحتاج أحدنا اليوم، لأن يعي قيمة ماضيه، وأصوله المتجذّرة، أن يدرك حقيقة هويته، وأن يعرف تمام المعرفة أن هذه الأرض، تستحق منا الكثير.

نقلاً عن جريدة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: