الرأيالعالم

رمطان لعمامرة.. الرجل “الصحيح” في الأزمنة “الخاطئة”

برغم هدوئه وثباته وثقته في نفسه، يثير الدبلوماسي الجزائري رمطان لعمامرة (67 عاماً) الكثير والقليل من اللغط في الآن ذاته. فأحياناً يبدو في الواجهة كأبرز سياسي، وأحياناً أخرى، يتوارى عن الأنظار مثل أبسط مواطن.
’’

يختار رمطان لعمامرة دوماً أسوأ الأزمنة وأكثرها انتماءً إلى الزاوية الحادّة ويلعب دور البطل فيها، ثمّ يخرج منها بأقلّ الأضرار الممكنة؛ فأثناء مزوالتهِ وظيفة ممثل الجزائر في الأمم المتحدة في نيويورك في الفترة الممتدّة ما بين أيّار/ مايو 1993 إلى غاية أيلول/ سبتمبر 1996، قيّل أنّه عمل على تسويق الانقلاب الذي جرى في الجزائر سنة 1991، وقادهُ العسكر ضد نتائج الانتخابات التشريعيّة، والذي أفضى في الأخير إلى مأساةٍ وطنيّة تأدّت عنها حرب أهليّة طاحنة دامت عشر سنوات كاملة، راح ضحيتها 200 ألف قتيل، لا تزال مفاعيلها النفسيّة والسياسيّة تخيّم على حياة الجزائريين.
وحسب ما يقول مراقبون ليسوا على ودّ تامٍ مَعَهُ، فإن لعمامرة، وطيلة إقامته في الولايات المتحدة (شاغلاً هناك منصب ممثل الجزائر في الأمم المتحدة من أيّار/ مايو 1993 إلى أيلول/ سبتمبر 1996، ثمّ سفيراً للجزائر في أميركا من أيلول/ سبتمبر 1996 إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 1999)، كان بمثابة “الملمّع” لصورة النظام السياسي الذي كان يحكمُ في تلك الفترة، ومدافعاً شرساً عن جنرالات تصدّروا المشهد الجزائري في تسعينيات القرن الماضي وتحكّموا بمساراته.
لكن برغم ذلك، وسواءً صحّت هذه المزاعم أو كذبت، لا يمكن إلا الاتفاق بأنّ لعمامرة خرج من تلك الفترة بأقلّ الأضرار الممكنة، ولم يشتهر بوصفه مدافعاً عن النظام العسكري، حَبّرت لأجله الجرائد صفحتها، وشنّفت التلفزيونات أسماع مشاهديها بأخباره، بلّ كان شبه مجهول حتى عند الذين يتعاطون الشأن السياسي ويدّعون أنّهم خبراء في النظام العسكري الجزائري، ويقفون في الطرف المقابل لرواية النظام لتلك المشهديّة المتأزّمة.

لعمامرة “المنقذ” للنظام
وما فتئت السنوات تمضي حتى عاد لعمامرة مجدداً، إلى لعب دور “المنقذ” لنظامٍ يترنّح على وقع مظاهرات 22 شباط/ فبراير. فقبل أن يكون طوق نجاةٍ في الحكومة التي رأسها نور الدين بدوي في 31 آذار/ مارس 2019، والتي تمّ الاستغناء فيها عنهُ ظرفياً إلى حين، أيّ إلى غاية توافر عوامل تشيّ بنضوج موقف متعجّل، تتخذهُ السلطات الحاكمة في البلاد من أجل احتواء المظاهرات المفاجئة. وقد حدث ذلك فعلاً حين تمّ تعيينهُ وبشكل رسمي نائباً لرئيس الوزراء في 11 آذار/ مارس، على أن يكون ظهورهُ أكثر وضوحاً ودفاعهُ أشدّ بروزاً..
ساهم لعمامرة وقتذاك، في الدفاع بحرجٍ واضح عن النظام المتهالك بعد حين، إذ إنّه لم يكن على وفاقٍ تامٍ معهُ، على خلفية ورود اسمه وتداوله كبديل محتمل أكثر قبولاً لعبد العزيز بوتفليقة، وهي الشائعة التي كانت تكبرُ يوماً تلو آخر، وتُجابهُ بصمت المعني بها، دون أن يتكلّف عناء التكذيب أو يجني ثمار التأكيد.
وقد شعر النظام بنوعٍ من القلق جرّاء تنامي شعبيّة رمطان لعمامرة، فقام بتقليص صلاحياته عندما تمّ سحب الملف الإفريقي والمغاربي منهُ، وذلك عن طريق تعيين عبد القادر مساهل وزيراً منتدباً لدى وزير الخارجيّة، مكلّفاً بالشؤون الإفريقيّة والمغاربيّة سنة 2012، وهي سابقة في تاريخ الدول، لجهة تعيين وزيرين للخارجيّة في بلدٍ واحد! ثمّ ما لبثت أن أصبحت ساعة الرمل أسرع، فتمّ إلغاء المنصب وترسيم عبد القادر مساهل في وزارة الخارجيّة في 2017 والاستغناء عنه تالياً، وإعادة تعيين رمطان لعمامرة في الفترة الحرجة بوصفهِ “منقذاً” وقميناً بأنّ يكون طوق نجاةٍ، بموجب مرسوم رئاسي صادر في 11 آذار/ مارس2019 والذي جاء فيه ترسيم إنهاء مهام عبد القادر مساهل وزيراً للشؤون الخارجيّة، وتعيين رمطان لعمامرة نائباً للوزير الأول وزيراً للشؤون الخارجيّة.

لمع لعمامرة في إفريقيا أكثر منه في صورة تعكس مفارقة قدريّة لافتة، بسبب الكاريزما التي يمتلكها، إلى حدّ وصفه من قبل الخبير في شؤون الطاقة نايل الشافعي بـ”روح الاتحاد الإفريقي”

روح الإتحاد الإفريقي

والحقّ أنّه؛ لا يمكن النظر إلى هذا الاختيار بعيداً عن الطوقين التاليين:
الأول: “اجتثاث” لعمامرة من وعائه الإفريقي والمغاربي، وهو الذي افتتح حياتهُ الدبلوماسيّة فيه عندما عُيّن سفيراً للجزائر في إثيوبيا وجيبوتي، وممثّلاً لها في منظمة الوحدة الإفريقيّة في الفترة ما بين تشرين الأول/ أكتوبر 1989 إلى كانون الأول/ ديسمبر 1991، وسوّق على نحوٍ جهير، وقتذاك  المبدأ الإفريقي في رفض التدخل الأجنبي، وأكده لاحقاً لا سيما في الملف الليبي. وبرغم أنّ خبرتهُ هذه تُعتبر ضئيلة قياساً بمساهل، إلا أنّ لعمامرة لمعَ في إفريقيا أكثر منه في صورة تعكس مفارقة قدريّة لافتة، بسبب الكاريزما التي يمتلكها، إلى حدّ وصفه من قبل الخبير في شؤون الطاقة نايل الشافعي بـ”روح الاتحاد الإفريقي”.
الثاني: تعييّن مقاسمٍ لهُ في إرثّ الدبلوماسيّة الجزائريّة، ريثما يتمّ “تعصيبه” من الإرث وإخراجهِ من الباب الضيق، أو على الأقل، تقليم أظفاره والحدّ من تأثيره، وكان هذا “المعصّب” يمتلك تاريخاً أصيلاً في إفريقيا. ففي عام 1971 كان عبد القادر مساهل (70 عاماً) رئيساً لفرع حركات التحرّر الوطني بوزارة الخارجيّة الجزائريّة، ثمّ مديراً عاماً لقسم إفريقيا بين أعوام 1986 و1988 و1996 و1997. كما عُيّن سفيراً للجزائر في بوركينافاسو. كما تولّى منصب سفير برتبة مستشار لدى وزير الشؤون الخارجيّة مكلف بالقضايا الأفريقيّة، ثم كلف بالقضايا الأفريقيّة في اللجنة الدائمة للجزائر لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك. وخلال الرئاسة الجزائريّة لمنظمة الوحدة الأفريقية في الفترة من 12 تموز/ يوليو 1999 إلى غاية  10 تموز/ يوليو 2000  كان مساهل مبعوثاً للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مكلفاً بملفيّ جمهورية كونغو الديمقراطيّة ومنطقة البحيرات الكبرى ذات الثروة المائيّة الأكبر في إفريقيا وموطئ الصراع القادم. وكان عبد القادر مساهل  قد عمل صحفياً مغموراً في بداية مسيرته المهنية، وكانت جلّ تغطياته عن الشأن الإفريقي.

بهذا الإرث، يكون النظام الجزائري وقتها، إنما يرغب في تسديد الضربة القاضيّة لتأثير لعمامرة الإفريقي، قبل أن يضطر إلى الاستعانة به مجدداً كطوق نجاة، وهو الخيار الذي قبِل به لعمامرة بشكل غريب للغاية على رجلٍ يتميّز بالدهاء والحنكة والتروّي في إصدار التصاريح والقراءات المتأنيّة للأحداث، وهي الصفات التي غابت عن نظيره عبد القادر مساهل برغم مساره الدبلوماسي الطويل في إفريقيا..
وما إنْ تقلّد لعمامرة منصب نائب رئيس الوزراء الجزائري في نظام يُشارف على السقوط، خاطب الجزائريين من خلال الإعلام الفرنسي، في خطوةٍ نافرة للغاية، مبشّراً إيّاهم بانتخابات نزيهة! وطار إلى موسكو جالباً العون للنظام الذي قد بدأ فعلياً يتآكل وينهار.. إلى أنّ تخلّى الفريق الراحل أحمد قايد صالح نائب وزير الدفاع الوطني ورئيس أركان الجيش الجزائري عن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، مطالباً إيّاه بتطبيق المادة 102 من الدستور التي تقضي بحجب الثقة عن الرئيس.. بعد ذلك بقي رمطان لعمامرة جائلاً بلا عنوان مثل معنى يفتّش عن لغة، لكي يفهم غيره سبب وجوده!

العمامرة يتقدّم.. العمامرة يتقهقر!

برغم أنّ لعمامرة زار الناشطة الأرجنتينيّة الشهيرة في حقوق الإنسان السيدة سوزانا تريماركو أبرز اسم تمّ تداوله لخلافة بان كي مون على رأس الأمانة العامة للأمم المتحدة، وهي الزيارة التي لا يمكن وضعها إلا ضمن الرهان على الفرس الرابحة، والرغبة في العودة إلى حجز موقعٍ تحت الشمس، إلا أنّ الأمين العام أنطونيو غوتيريش طرح اسم رمطان لعمامرة في منصب الموفد الأممي إلى ليبيا خلفا للمستقيل لأسباب صحيّة اللبناني غسان سلامة، متناسياً تلك الزيارة الملغومة إلى منافسته. وقد حظيّ لعمامرة بالإجماع الأممي، وبدأ الجزائريون ينظرون إليه باحترامٍ وزهوٍ بالغين، بمعنى أنّ لعمامرة استعاد شعبيّته التي أهدرها باختياراته الدائمة للأزمنة الخاطئة، حتى ارتدت تلك الشعبيّة لبوساً “فدائيّاً” و”نضالياً”، بسبب اعتراض واشنطن على اقتراحه كموفدٍ أممي إلى ليبيا.

جاء الرفض الأميركي لاسم لعمامرة، بسبب ما تعتبره واشنطن “قرب لعمامرة من روسيا”، برغم أنّ روسيا بدورها قريبة من حفتر أكثر من السرّاج

قيل عن هذا الاعتراض الأميركي بأنّه ناجمٌ عن “ضغط” مصري ـ إمارتي، بسبب ما تعتبرهُ هذه الدول: ميّل الموفد الجديد إلى حكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السرّاج. وأبدى الجنرال خليفة حفتر هو الآخر اعتراضه أيضاً على تعيين رمطان لعمامرة للحجة ذاتها التي سردتها القاهرة وأبو ظبي، حيث اعتبر الناطق الرسمي باسم قوّات حفتر أحمد المسماري، في مؤتمر صحفي عُقد في القاهرة بـ”أنّ اقتراح تعيين لعمامرة غير منطقي”، مضيفاً “نحن لا نقبل به وسيطاً للحوار”، وطالب بـ”أنّ يكون المندوب الأممي شخصية إفريقية، أو لا يكون من جيران ليبيا”.
وجاء الرفض الأميركي لاسم لعمامرة، بسبب ما تعتبره واشنطن “قرب لعمامرة من روسيا”، برغم أنّ روسيا بدورها قريبة من حفتر أكثر من السرّاج، ممّا يعني وجود تهلّهل منطقي في أسباب الرفض الأميركي، إذا سلّمنا بأنّ الرفض ناتجٌ عن “ضغوط” إماراتيّة ـ مصريّة على الولايات المتحدة، حدا بها إلى إعلان رفضها “تعيين” لعمامرة الذي كان قاب قوسين او أدنى من المنصب.

بيد أنّ “الفيتو” الأميركي على اسم لعمامرة، لم يقف عن هذه الحدود الممكنة، بلّ لقد  اعتبرتهُ جريدة “لوموند” الفرنسيّة بمثابة “انتكاسة” للدبلوماسيّة الجزائريّة ما بعد حراك 22 شباط/ فبراير.
لكنّ لعمامرة لم يبدِ أيّ شكلٍ من أشكال “الخشونة” في تعامله مع هذه الحملة ضده، فحسب بيانٍ نقله موقع “النهار أون لاين” الجزائري، حرّره لعمامرة بنفسه، افتتح إيّاه بالتالي “قام الأمين العام للأمم المتحدة ، أنطونيو غوتيريس، بالمبادرة، في 7 آذار/مارس 2020، ليعرض عليّ شخصياً منصب الممثل الخاص ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا”، مضيفاً “لقد منحت موقفي من حيث المبدأ بروح التزام لصالح الشعب الليبي الشقيق وكذلك تجاه المنظمات العالمية والإقليمية المعنية بحل الأزمة الليبية”، معتبراً أنّ المشاورات المعتادة التي يجريها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش “منذ ذلك الحين لا يبدو أنها ستؤدي إلى إجماع مجلس الأمن والجهات الفاعلة الأخرى، وهو أمر أساسي لإنجاز مهمة السلام والمصالحة الوطنية في ليبيا”.

وحسب الموقع المذكور أعلاه، فإنّ لعمامرة “يعتزم خلال مقابلة هاتفية في الساعات القليلة القادمة مع الأمين العام للأمم المتحدة، أن يكرر شكره لغوتيريش على الاختيار الذي اتخذه عليه”.

وقد أعرب لعمامرة عن “أسفه لضرورة إخطاره بسحب قبوله من حيث المبدأ على اقتراحه الذي قدمه له في 7 آذار/ مارس”، مختتماً بيانهُ بالتالي “لن أخفق في أن أؤكد لغوتيريش أطيب تمنياتي بأعمال السلام التي يجب على المجتمع الدولي أن يشجعها وينفذها في ليبيا”.
لا يخلو البيان من لغة دبلوماسيّة وتسليمٍ بقدرٍ أممي غير متكافئ، يعكس في وجهٍ من دلالاته الظاهرة، خبرةً في التعامل مع مناخاتٍ شبيهةٍ بما يحدث، ومبطناً، في الآن ذاته، رؤية معينة لمستقبل آخر، لا يخدمهُ أيّ نشازٌ دبلوماسي حالي.

الانعطافة الأميركيّة

لم تعد سرّاً رؤية الجزائر للحلّ الليبي، وهي رؤية قديمة لم يغيّرها جديد، بسبّب أنّ السياسة الخارجيّة الجزائريّة يحدّد ثوابتها الجيش، وقد شرحت ذلك في مقالٍ سابق في هذا الموقع.
والحال أنّ الجزائر تميل إلى حكومة فايز السرّاج، ليس بالضرورة حبّاً فيه، ولكن لتلافي طموحات الجنرال خليفة حفتر، ومن أجل قطع الطريق أمام حلفائه (مصر والإمارات) وتقليص نفوذهم على ليبيا، ذلك أنّ الخطّ الحدودي الذي يفصل الجزائر عن ليبيا يصل إلى حوالي الألف كيلومتر، ويطوّق تونس، شرقاً وجنوباً، ولا ترى أيّ جدوى في استعداء الإخوان للنظام الحالي، برغم ضمور وجودهم في الجزائر وضعفه في الفترة الحالية.

ينحني لعمامرة أمام هذا النوع من العواصف، وربما يعتقد بأنّه من “الأفضل” لهُ  و”الأسلم” لشخصه أنّ لا يبدي أيّ اعتراضٍ قوي تجاه “الفيتو” الأميركي ضدهُ، بوصفهِ رجلاً يرغب في أنّ يصنع ماضٍ وحاضرٍ لا يتعارض البتة مع حسابات المستقبل

وتحرص الجزائر على الحفاظ على مسافة واحدة من الأطراف، إذّ إنّها تبسط يدها للجنرال خليفة حفتر أيضاً، على أنّ يُسقط في يده ويخلّي جانبه الآخر من حلفائه.
ولقد كان إعراب تونس الأخير عن دعمها لحكومة السرّاج في طرابلس واضحاً ويصبّ في هذا الاتجاه، أو هو استجابة لنوعٍ من الاتفاق أو الضغط الجزائري على موقفها، وليس من صالح تونس خسران حليف استراتيجي مقابل بذل الولاء لحلفاء لم يثبتوا إخلاصهم لأيّ حليف مغاربي، وها هي المغرب خير مثالٍ على ذلك.
وقد تجلّى الموقف التونسي بوضوحٍ في  مكالمة هاتفيّة أجراها رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد مساء الأربعاء 15 نيسان/ إبريل 2020 حسب بيانٍ رسمي من الرئاسة التونسيّة مع رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فائز السراج، جدّد فيها الرئيس التونسي “موقف تونس الثابت من الوضع الليبي”، ومؤكداً “أنّ تونس تتمسك وستبقى متمسكة بالشرعية، فالقانون هو المرجع وهو الأساس”، مؤكداً أنّ الحل “لا يمكن أن يكون إلا ليبياً ـ ليبياً يعبر عن إرادة الشعب الليبي وحده، فهو صاحب السيادة، وهو الذي يقرر مصيره بنفسه بمنأى عن كل التدخلات الخارجية”.

وحسب ذات المصدر فإنّ فائز السراج هو الآخر عبّر “عن عمق العلاقة بين تونس وليبيا، مبينا أن هذه العلاقة المتينة لا يمكن أن يشوبها أي لُبس”. كما أكد “أن المؤسسات القائمة على الحدود الليبية هي مؤسسات حكومة الوفاق الوطني وهي تسهر على ضمان أمن التونسيين”، مضيفاً، من جانب آخر، “أن حكومة الوفاق تضع كل إمكانياتها على ذمة تونس خاصة في ظل جائحة كورونا التي انتشرت في كامل أنحاء العالم”.
هذا الموقف المعبّر عنهُ، هو الموقف الجزائري لكنّهُ أخفّ لهجةً وأكثر اتّزاناً قياساً بالاستغراق العاطفي الذي وقع فيه الرئيس التونسي، والموقف الجزائري هو نفسه موقف شخص رمطان لعمامرة، لكنّه لم يعد هو الموقف الأميركي، كون الولايات المتحدة باتت تخشى على “صحة” حلفائها في المنطقة أكثر من تأكيد موقفها إزاء ملفٍ، لا يعنيها كثيراً، ولا توليه أهمية كبرى، لولا أنّ الجانب الروسي حفّز فيها غريزة الوجود بوصفها ندّاً لما بات يُعرف بـ”النفوذ” الروسي على الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
فبعد توقيع الولايات المتحدة على معاهدة ثنائيّة مع الجزائر حفاظاً على سلامة السفن التجاريّة في البحر الأبيض المتوسط، إثر قرصنة البحّار الجزائري الرايس حميدو لسفنٍ أميركيّة في عهد الرئيس جيفرسون، عقاباً لهُ بسبب رفضه دفع ضريبة المرور المقرّرة سنة 1812. وصولاً إلى مساندة الولايات المتحدة لحقّ الشعب الجزائري في تقرير مصيره والاستقلال عن فرنسا في الفاتح من تشرين الأول/ أكتوبر 1955 حيث صوّت 28 عضواً بما فيهم الولايات المتحدة، لصالح حق تقرير المصير للشعب الجزائري، واعترض 27 عضواً، وامتنع خمسة أعضاء عن التصويت، وبسببها أعلنت فرنسا انسحابها من اجتماعات الجمعية العامة واللجان الفرعيّة التابعة لها.
ومن بعدها دخلت العلاقات الأميركيّة ـ الجزائريّة في غيبوبة تامّة إلى غاية حدوث انتعاشة أمنيّة بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، جُسّدت في ما عُرف وقتها في الصحف الأميركيّة بـ”التعاون المخابراتي”، لم يشهد الجانبان الأميركي والجزائري أيّ علاقات دبلوماسيّة يمكن وصمها بالوديّة أو العدائيّة، وحتى لو حدثت هنالك علاقات متوقعة، فلن تزيد عن تقدير الولايات المتحدة لقيمة البحر الأبيض المتوسط، الذي يتربّع على 30% من التجارة البحريّة، أيّ ثلث التجارة العالميّة، وما نسبته 25%  من النفط العالمي، يمرّ من البحر الأبيض المتوسط ، فضلاً عن وجود الأسطول السادس الأميركي. وفي المقلب الآخر، ربما لا ترغب الولايات المتحدة في أيّ صداع قد يصيبها بسبب الخلاف المغربي ـ الجزائري على خلفيّة تباين الرؤى حول الصحراء.
يقف رمطان لعمامرة في الخندق السياسي الجزائري تماماً، ويتمركز فيه باعتباره أحد رموزه المتأخرين، ولكنهُ قد يكون استفاد تماماً من إيلاء اللهجة الرخوة واللغة المرنة في تعاملهِ مع أيّ إقصاءٍ متعمّد من جهة ما لشخصه، كالموقف الأميركي الذي لا يمكن قراءتهُ إلا ضمن الموقف غير المعبّر عنهُ من السياسة الخارجيّة الجزائريّة.. لكنّ لعمامرة ينحني أمام هذا النوع من العواصف، وربما يعتقد بأنّه من “الأفضل” لهُ  و”الأسلم” لشخصه أنّ لا يبدي أيّ اعتراضٍ قوي تجاه “الفيتو” الأميركي ضدهُ، بوصفهِ رجلاً يرغب في أنّ يصنع ماضٍ وحاضرٍ لا يتعارض البتة مع حسابات المستقبل، ويقدّر جيداً قيمة الدموع المُهرقة في المستقبل على اللبن المسفوح في الماضي.

نقلا عن مجلة 180 بوست اللبنانية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: