الرأي

رحلتي إلى مدينة الجلفة

أنا من هواة المسرح والسينما . أحب السفر . لكني لم أركب طائرتي حتى الآن …..تبا لي فقد فوت رحلتي الى باريس.
– لا يهم سأعيد تركيب جملتي.
أحب السفر بحقيبة ظهري و فيها كتبي . أعشق الرسم و الموسيقى فهما ملاذي و غذاء روحي . أميل إلى رسم ملامح البشر ففيها أسرار غامضة . فيها قصص عجيبة مخبأة وراء كل نضرة و إبتسامة . إنه عالم غريب يستهويني ، يمتعني، صرت أقرأ لغة الأجساد و العيون. صرت أفهمها…… لكن لا يمكنني السفر و معي ورشتي .
– لا يهم أيضا فأوراق بيضاء و أقلام تكفي.

نعم أوراق و أقلام تكفي .لأرسم ذلك الوجه البريء مع تلك العيون الحزينة لكن لا شك سأجعل له ابتسامة متفائلة .سأرسم أدق التفاصيل ،لتكون لوحة فنية جميلة .

نعم أوراق و أقلام تكفي , أوراق بيضاء سيغزوها سوداء أقلامي , ستملأها خربشاتي . سينتهي بها الأمر في سلة المهملات . فغالبا ما ُأنهي لوحاتي.
– هل سيكون من سيقدر فني ؟

هاديء أنا،أسمع أكثر مم أتكلم فهذا طبعي.دقيق في ملاحظاتي ، أميل الى تحليل الأشياء فهذا ما يُأرِقني . أَرَق يُشعرني برغبة في الكتابة بين الحين و الآخر.
– لا يهم فدفاتري دوما معي.

أكتب في كل شيء و عن لا شيء .أكتب آرائي .أعبر عن أفكاري . أكتب تسائلاتي ، تناقضاتي .فقط أكتب لنفسي .أكتب محاولا فهم ذاتي،ذاتي التي لم تستطع فهمي….

-لست موهوبا في الكتابة ….

-أعترف .

لكن لا يهمني ما دامت كتابتي تأنسني . لست موهوب أعترف . لكن سأكتب رغم ذلك . سأكنب لأمزقك يا أواقي بعد أن أنتهي .
نعم أُمزقها ربما لأني سر لا أريد ان يُفشى . أخاف ان أُُقْرأ ككتابي . آه كم أحبك يا كتابي . فأنت من عَلمني أن أَقرأ أكثر مما أكتب .فلست أكتب سوى هرائي . فهذا ما هو إلَّا بعض من هرائي

اليوم أردت تقيما لرحلتي (رحلتي الى مدينة الجلفة). أردت فقط وصف الدورة التكوينية لكم يا أصدقائي لعل بعضهم سيَقرأ بعضا من مقالاتي .

شيء ما يقول لي: ” مَالَك و لِلصحافة . ألم تعترف لتوك أنك لست موهوبا ؟!!
نعم لست موهوبا لأكتب الشِّعر رغم أني مُتأثر بالوردي ،رغم أني قد قرأت بعضا من قصائد القباني .

– ألم يعلنوا أن الدورة التكوينية سيكون في تقنيات الكتابة ؟.

فما دامت هناك تِقنية سأحضرها . لأن التقنية يُمكن تَعلمها عكس الموهبة .فموهبتك ان لم ترتقي إلى إكتشاف التقنية فسوف تندثر يا صديقي .
هذا هو قراري فقد رتبت حقيبتي .

قيل لي أيضا : يلزمك قليل من الموضوعية و الحياد….

لا يهم .فيمكنني أن اكون موضوعيا .

فأنا دوما ما اطرح أفكاري بموضوعية .فيمكنني .أما أن أكون محايدا فلا أعتقد ذلك يا قلمي . ؟؟؟؟؟؟!

لن أكون محايد مع من يزرع الفتن بين أبناء الشعب الواحد.. لن كون محايدا مع المسؤول الذي ينهب المال العام . و و لا مع ذلك السياسي الذي يستغبى المواطن البسيط بإسم الدين و الوطنية الزائفة . لن أكون محايدا إتجاه خطف و إغتصاب الأطفال .و لا مع إستعباد المرأة و إنتهاك حقوق الإنسان. لن أكون محايدا فيما يخص هويتي و تاريخ أجدادي …

يا صديقي سأخبرك شيءا
لا أحتاج إلى الموهبة .كل ما أحتاجه هو حبي و شغفي بالصحافة، و إيماني بالقضايا العادلة .

الصحافة في نضري يا صديقي لا تقتصر على سرد الخبر بل تتعدى الى طرح للأفكار و نشر الفكر . الصحافة في نضري هي رحلة مستمرة لإكتشاف الحقائق محاولتا دوما الوصولا إلى الحقيقة .هي معركة دائمة ضد الفساد ،التطرف و الارهاب بأشكاله . الصحافة هي التي تستطيع التاثير و فرض التغيير . فلا عجب إن كانت السلطة الرابعة .
يا صديقي الصحفي الحقيقي في نضري هو الذي يُأمن بالقضايا العادلة ليدافع عنها . الذي يموت من أجلها مثلك يا جاووت . فانت القدوة. فلتسترح في قبرك ، فقضيتك لم تمت بعد .و انا بدوري في طريقي الى ولاية الجلفة فشكرا يا وليد

أخيرا مدينة الجلفة ترحب بكم .

كان سهلا أن أجد مقر الدورة .الساعة تشير الى السابعة صباحا . لقد كنت اول من وصل ، في انتضار وصول المنظمين و المشاركين توجهت الي مقهى صغير موجود في إحدى الزوايا. على واجهته الرئيسية لافتة كبيرة بحجم المقهى نفسه مكتوب عليها شاي أم قهوة ؟.

إجابتي كانت محسومة فأنا بحاجة الى القهوة كعادتي .
دخلت و معي حقيبتي . فبادرني القهواجي بالتحية ، مرحبا بوجه بشوش و إبتسامة عريضة تضهر بريق أسنانه البيضاء.
– صباح الخير .قهوة من فضلك سيدي .
أجابني مبتسما : “توجد قهوة بّْرَاسْ، قهوة نتاع الدار و كاين فرارة؟”
متعجبا : فرارة ! قهوة نتاع الدار ؟!! ما هذا يا هذا ؟.

رحت أكلم نفسي : لماذا كل هذا ؟ أنا أريد فقط قهوة و كرسي لأستريح قليلا من رحلتي الطويلة في سيارة الأجرة .فلقد كانت رحلتي مرهقة بثرثرة أحد المسافرين .كاد يخنقني بجثته الضخمة و كلامه المزعج . يتكلم بصوت عالي مفسرا أسرار الكون ، يفهم في كل الامور الدنيوية والغيبية . محلل سياسي و رياضي في آن واحد .خبير في العلاقات الخارجية . فقيه حقا . و عارف بأمور الشيعة و السُّنة و الكفار حسب قوله .فلا يفرق بين اليهود و لا النصارى . و لا بين البوذيين و عبدة الشيطان …..أحسست أنه كان قريبا من كشف المؤامرة الكبرى للبنائين الأحرار الماسونية .

– تبا لك و لامثالك .أنت مقرف أيها الأخ بلحيتك الطويلة و قميصك القصير. فأحاديثك تشعرني بالملل و القرف في آن واحد . …في نضري أنت سوى منافق آخر ، فيكفيني ان أسترق نظرة إلى شاشة هاتفك الكوندور لأرى حسابك الفيسبوكي و هو يعرض أجمل و الشقراوات الكافرات .
حمدا لله لم أنسى سماعتي لأزيد من صوت الموسيقى لأهرب إلى عالمي .
تحت إيقاعات البلوز و صوت القيثارة العذب التي رافقتها المناضر الخلابة لسهوب ما بين المسيلة و الجلفة مضائة بضوء خافت يُشير الى طلوع النهار. ديكور طبيعي شبه صحراوي ، منضر مثير غير إعتيادي بالنسبة لي ، أشعرني اني بطل في أحد أفلام رعات البقر في الغرب الأمريكي .فحمدا لله مرة أخرى لأني لا أملك قبعة و مسدس الكُوبُويْ لإرتكب جرما فأخُونا المُلتحي قد أعلن الجهاد .أعلن الجهاد على الكفار جميعا و إستباح عرضك أيتها الشقراء الغربية الكافرة . فأنت و أختك ستكن من الجواري . فأنت في نضره غنيمة حرب كان لون عينيك و شعرك الحريري سببا في نشوبها .
فأخونا لم يكتفي بثلاث نساء .ربما هو في طريقه لرأيت الرابعة . لابد أن تكون جميلة و قوامها مثير و عمرها لا يتجاوز الثامنة عشرة ، فتجملي أيتها الرابعة و لا تخافي فلسوف يعدل بينك و بين النحيفة و المريضة و صاحبة الأربع أطفال …
اريد شيء غير عادي ايها القهواجي ينسيني رحلتي فلتكن الفرارة :
-سأجرب الفرارة !
صمتي .تعجبي .سؤالي ..كان كافيا ليدرك ذلك الشاب الوسيم أني غريب عن مدينته . قدم لي قهوة الفرارة و معها إبتسامته المعهودة ، مسح طاولتي النظيفة . و دون أن يسؤلني عن مكان قدومي و لا عن وجهتي راح يعرفني بقهوته و أصلها مع كيفية صنعها .و الفرق بينها و بين القهوة العادية بالنسبة لي .صوته كان عذبا .نسيت ان أخبركم : حتى هذا القهواجي الوسيم كان اخونا بلحية لكن ليست بطول و كثافة الأولى . تفوح منه رائحة العطر . رائحة ليست كرائحة المسك الرخيص الذي يباع في الأسواق . رغم ذلك إرتحت إليه لم أشعر بطاقة سلبية نحوه .فقد أعجبت بضيافته و أحببت قهوته قبل ان أتذوقها .
لقد كت أن أطرح عليه سؤالي لماذا أنا است أخوكم بدون لحية . ؟
كم انت شهية أيتها الفرارة .أضن أن تأثيرك بدأ يعمل على دماغي .فها أنا أشتري علبة المَارْلبُورُو دون أن أكون من المدخنين.

الساعة تشير إلى الثامنة ، كنت أول الوافدين ليستقبلني نقبيل عيسى مدير شركة algerieproduction رفقة طاقمه .
حمدا لله ليسوا من الإخوان ههه .
أستقبلت بحفاوة. ثم وُجهت إلى قاعة كبيرة أعدت خصيصا لأحتضان الدورة . في أحد زواياها طاولة صغيرة فيها كل أنواع القهوة الجلفافية و الشاي و بعض من الحلويات التقليدية …. يا إلاهي لا أريد المزيد من القهوة فعقلي مازال تحت تأثير الفرارة القوية . لكن لم أستطع مقاومة فضولي ،سأتذوق هذه المرة قهوة الدار الجلفاوية.

جلست في إحدى الزوايا و هاتفي في يدي بين عالمي الإفتراضي و بين مراقبة الوافدين الواحد تلو الأخر .صمت يسود القاعة . إبتسامات ترسم في وجوه المشاركين بين الحين و الآخر و هم منهمكين في قراءة و إرسال رسائلهم الفيسبوكية . و في إنتضار وصول الأستاذ ضيف حمزة ضيف. هناك نظرات تتقاطع بين الحين و الآخر .
لقد مرت ساعة أخرى . إنها الساعة التاسعة ، لابد أن يكون العدد قد إكتمل .
معضم المشاركين من النساء .الآن صرت أفهم لما حذرتني يا صديقي من جمال وسحر النايلية . الآن فقط صرت أفهم لما الشعراء تغنوا بجمال النايلية ، ببريق عينيها بإبتسامتها المخذرة ، بلون بشرتها ….فيا ليتني كنت شاعرا .

فكم أنتن جميلات أيتها النايليات …
فقط أنتن من تنافس جمال المرأة الجبلية القبائلية

مرة أخرى أخرج عن الموضوع فأعذروني . ليس ذنبي أني أحب الجمال . ففيه أرى بعضا من آيات الخالق، ليس ذنبي أني معجب بجمال عيناك أيتها الصغيرة البهية الدائمة الطفولة، لكن من فضلك لا تثقي في طيبتي، فأنا لي طائرتي ستقلع يوما ما، فأنا خلقت لا أسافر فلقد قلت لكم جميعا أني أهوى السفر .
اعتقد أن العدد قد اكتمل، الأستاذ ضيف حمزة ضيف الكاتب الصحفي، الحصة ستبدأ فأعذريتي يا صغيرتي فهذا ما قطعنا المسافات من أجله، سأجلس بعيد عنك خوفا عليك و على نفسي .

الكل منهمك في تدوين كل كلمة قالها الأستاذ المدرب، أنا فقط استمتعت بالإصغاء، فلا حاجة لي بالتدوين فما أجمل أن نعيش اللحظة عوض محاولة تدوينها .
لقد تسنت لي الفرصة في يومي الأول للتأكد من العديد من المعلومات و تصحيح بعضها، كما تسنى لي اكتشاف تقنيات عديدة مثلي مثل الجميع ،الكل معجب بك يا أستاذ حمزة، الكل معجب بثقافتك الواسعة، إنهم معجبون إلى حد الاندهاش و أنت تستحضر أسماء العظماء ،الفلاسفة ، الشعراء و المشاهير بأقوالهم ….قد سمعت إحداهن وصفتك بالموسوعة .
لكن لماذا أنا مختلف عنهم ؟
.فأنا لست معجبا بما أعجبوا، فإعجابي كان مختلفا ،
معجب أنا بتواضع الكاتب الكبير و الصحفي البارع، معجب ببساطته و بمرحه، معجب بطريقة كلامه، بنبرة صوته المتناغمة مع حركة و سكون يديه لأجل خلق تفاعل داخل المجموعة و خلق جو يسوده المرح،فلقد استمتعوا حقا سيدي .
في نظري، أنت من النوع الذي يقتدي به، معجب بشخصيتك الفريدة من نوعها و بأفكارك التي لم نرتقي لفهمها، لكن يكفينا يا أستاذي لهذا اليوم فسريري في الفندق ينتظرني.
لا أريد لتعبي أن يفوت أي شيء مما ستقوله .

توجهت مباشرة إلى غرفتي، لقد نال مني التعب، لقد نالت مني رحلتي، لكن لم أستطع النوم، لقد نلت مني أيتها القهوة الجلفاوية أيضا، أعتقد أنه حتى تلك الابتسامة البريئة نالت نصيبها مني، ها أنا وحدي يا باولو كويلو فلتقص علي روايتك : Le manuscrit retrouvé .
في اليوم الثاني من الدورة تم تقسيم المشاركين إلى مجموعات صغيرة ليتسنى تطبيق ما قدم لنا حتى الآن، اليوم أتيحت لنا الفرصة لمعرفة بعضنا البعض، الكل كان موهوبا في الكتابة إلا أنا، الكل كانت له خواطر و أشعار إلا أنا، الكل كان يحكي عن نفسه و أعمالة، آماله و طموحاته، طبعا إلا أنا ، الكل يحكي فيما يجيده إلا أنا، فأنا هو الاستثناء دوما، فقط كنت صامتا فلا تلوموني فهذا ما أجيده، أجيد الاستماع في صمتي، ملاحظا و محللا لكل ما أسمع لعلي أستوعب قليلا مما تقولون، أصغيت إليك أيضا أيها المدرب مستمتعا بكل نصائحك المقدمة للجميع.
يوم أمس صادف وفاة احد رموز الفن في بجاية مدينتي، و هو الفنان جمال علام ، كتبت مقال عن الحدث لأعرضه على الأستاذ لأجل أن أرى مدى إستعابي لما قدمه لي حتى الآن، فكانت أول مقالة تنشر لي في جريدة البلد الإلكترونية كان شرف أن أكتب عن الفنان الكبير الذي أعشق أعماله لكن حزين في نفس الوقت لأني كتبت يوم رحيله، فإنا لله و إنا إليه راجعون .
تمنيت حقا لو لم تنتهي حصة اليوم فقد كان لي الوقت الكافي لأركز على كل تفاصيل ملامح وجهك الجميل أيتها النايلية ، الآن أدركت لما أنتم شعراء ، فلا شك أن للطبيعة تأثيرا على البشر .
كل الكلام يدور حول اليوم الموالي، يوم غد اليوم الختامي للدورة، يوم سيخصص للتعريف بالمبادئ الأساسية للتصوير التلفزيوني و تقنيات التغطية الإعلامية في التلفزيون، اعتقد أنهم شغوفون بالتلفزيون عكسي أنا، شغوفون بالتلفزيون ربما أكثر من الكتابة رغم تميزهم فيها، عكسي أنا.
لست أسعى إلى أن أصبح مقدم برامج مثلك أيتها اللطيفة، فلست وسيما بما يكفي، لا يمكنني أن أقدم نشرة الأخبار فليس لي صوت جميل و عذب مثلك أيتها المذيعة، لساني ليس بطليق گألسنتكم، عربيتي ليست فصيحة مثلكم جميعا …
سأقول لكم الحقيقة ،لا أحب أن أظهر في التلفاز أصلا، ربما لأني لا أحب كثرة الكلام، أو لأني اعلم انه لن أكون حرا في التلفزيون، ربما لا أدري عزيزتي .
ربما أعشق العدسة و الصورة أكثر منكم مجتمعين، لكني لا أرغب أن أكون مصورا في التلفزيون، ببساطة لأن التصوير فن و التلفزيون سيُقَيد المصور .سيقيد فنه و إبداعه.فعندهم الخبر أولى،
فأنا طير مهاجر لم أخلق لأكون سجينا في قفص واحد و مكان واحد، أريد أن أطير أين الربيع.
نعم التصوير فن يحتاج منك أن تكون فنانا، الصورة عالم ممتع أكثر مما تتصورون، فيه أيضا كثير من العلم و التقنية، لا أعتقد أن يوم سيكفي لتعلم كل تلك التقنيات سيدي .

هل أخبرتكم أني أعشق العدسة ؟
مولع بالصورة ؟
هل أخبرتكم أن التصوير كان دوما شغفي ؟
لا أتذكر فأعذروني، فلربما قد أنساني التحديق في عينيك ؟
ربما؟ لم أعد أدري ؟
أكيد أني لم أخبركم أن حلمي كان أن أصير مخرجا سينمائيا ؟
نسيت ذلك ربما؟ أم تعمدت ذلك ربما ؟ لأنه سيعتقد ذلك الملاك أني ساذج كأحلامي، كيف لها أن تعتقد لو علمت أنها قد أصبحت ضمن أحلامي ؟
لقد علمت لتوي و أنا أدخن سيجارتي المارلبور و مع قهوة الدار الجلفافية ،بأن عيسى نقبيل سيكون مدربنا في التصوير التلفزيوني، انه الرجل الذي كان في استقبالي أول يوم، رجل لطيف وخلوق،هادئ نشترك في قلة الكلام ربما، في لقائنا الأول عرفت أن عيسى فنان لذا سيكون شرف لي أن أطور مهاراتي و تعلم تقنيات التصوير مع مختص آخر، اعتقد انه رجل ميدان ؟
غدا سنرى،….
إلى اللقاء أصدقائي يجب أن اذهب الآن فأنا جائع فهل من أحد يشاركني مائدتي.

يوم آخر يمر بسرعة البرق كله مرح و ضحك، ضحك على بعضنا البعض ،كواليس لا يمكن وصفها فلا يمكن أن تصلكم الصورة، كواليس يجب أن تعيشوها و فقط إنها تجربة رائعة، بل أروع من رائعة .
في هذا اليوم أيضا، عرضت علينا بعض من أعمال عيسى نقبيل و طاقمه .لقد كان توقعي في محله إنه فنان حقا، أعمال ترقى إلى العمل السينمائي المحترف .

الدورة على أبواب غلق ستارها علينا.
اكتشف العديد منا أن المشوار في مجال الصحافة و التصوير طويل و طويل جدا، طويل و شاق أيضا …..لكن لا تيأسوا فمسافة الميل تبدأ بخطوة ، و سأشهد أنتكم قد خطوتم عدة خطوات خلال ثلاثة أيام فقط .
استمتع الجميع و نحن نستلم الشهادات، حتى جميلتي أراها تستمتع .
ها نحن قد و صلنا إلى آخذ تلك الصورة الجماعية لتذكرني بمروري على هذه المدينة الهادئة، ستذكرني بطيبة أهلها ستذكرني بكم و بك أيضا .
أكان يجب أن يكون الفراق فقط ليجعل اللقاء مثاليا؟
لماذا لا يذهب كل إلى سبيله و ينتهي كل شيء ؟
لماذا لم تغادري أنت لأغادر وراءك دون رجعة ؟
لماذا لا أحد منكم أراد أن يكون أول المغادرين ؟
لماذا لا أحد منكم كانت له الجرأة ليكون أول المودعين ؟
لقد صرنا أصدقاء حقا فقد صرت أعرف كل أسمائكم: عامر و حمزة. ليلى و ليلى ،هاجر و مريم ،فاطمة و الأستاذة و المذيعة نادية ، ندى و ظلها خديجة و حتى العكس صحيح خديجة و ظلها ندى ، إناس و قابريال….
لكد كبرنا عن أنشودة مدرستي …فلنغني لولف كيف ساهل و لفراق ما قدرت عنوا …

لقد كان صعبا أخذ قرار مغادرة مدينة الجلفة .

تائه في أعماق أفكاري المتداخلة .مرت أكثر من ثلاث ساعات مع شرودي دون أن اتخذ قرار .
صعبا إتخاذ قرار الهروب منك يا مدينة الجلفة .
انا تائه في شوارعك دون وجهه. تائها حقا دون أن أحس أني غريبا عنك . هادئة انت و بسيطة أنت ، معجب بك انا، معجب بساطه أهلك ، معجب بلهجتهم الضريفة التي ترتكز كثيرا على حرف القاف . معجب أيضا بها ….
لا تسأليني عنها فما أعرفه عنها سوى إسمها.
-لماذا تذكرتها ؟
كاني أراها الآن ، لقد مرت مسرعة أمامي .لا أعلم ماذا أفعل؟؟؟
ألحق بها لتتأكد أن لنضراتي لها معنى ؟ . أم أكمل طريقي لتذهب في سلام فربما هي هاربة مني حتى لا أودعها ؟.

ماشيا بخطوات مثقلة . و ظهر منحني .كتفايا متعبتان .أحس بحقيبة ضهري أصبحت ثقيلة اكثر من اللازم.
-أتكون تلك الكتب التي إشتريتها هي السبب ؟
لم اتوقع ان تكون ثقيلة الى هذه الدرجة .فلم أعر إهتماما لوزنها و لا لثمنها حين إشتريتها مساء أمس حين صادفت بائع كتب قديمة على أحدى شوارعك . و قد إنتهى لتوه من بسط العشرات من الكتب .

إستهوتني كثرة العناوين المعروضة بمختلف أحجامها و ألوانها. فدون أن أدري رحت أتصفح بعض منها .
كلها كانت من الطبعة الأولى، تعود الى زمن أين كان للأدب مكانة و للكتاب قيمة . لابد ان هذه الكتب قرأت مرات عديدة . لكن حين تتصفح أوراقها ستعرف مدى حب القارىء لكتابه .فصفحاتها عوملت بلطف كالحبيبة أو كزوجة في عامها الأول .
في يدي رواية ريح الجنوب لعبد الحميد بن هدوقة أتذكر أنها رواية رائعة بدأ فصلها الاول في سطره الاول بالعبارة التالية: “كانت ريح الجنوب قد سكنت منذ أن طلع أول شعاع للفجر مصافحا قمم الجبال ومحييا من بعيد ما واجهه من تراب القرية التي قضت ليلتها تلك تحت الغبار والدّوي العنيف”

ريح الجنوب : نفيسة كان إسم بطلتها . جميلة مثل بطلتي و ربما بنفس سنها . ريح الجنوب أضنها آخر رواية قرأتها بالعربية في أيام الثانوية . .
في كل مرة أحمل كتاب. كان البائع اللطيف يعطيني ملخصا لما ورد فيه أو يذكر لي عناوين أخرى لنفس الكاتب . أو عناوين لنفس الموضوع . لابد أنه قد قرأها أيضا كلها . فثقافته الأدبية غير عادية .كان شاب في بداية الأربعينيات من عمره يتسم بالبساطة مثل كل مواطنيك. مثلك يا بطلتي الجميلة .
دون أن أدري أيضا رحت أتجاذب معه أطراف الحديث . تحادثنا في عدة مواضيع و قضايا .سافرت معه الى الماضي و هو يحكي لي تاريخ أجدادنا النوميدي . من يوبا الى يوغرطة و مسينيسا .أكسل و الكاهنة .حدثني عن القديس سانت أوقيستا و لوكيوس أبوليوس (أفولاي) صاحب راية الحمار الذهبي و التي تعتبر أول رواية في تاريخ الإنسانية .ايها البائع صغيرتي لا تعلم أن أبوليوس منا ….
وكيغدف لها أن تعرف . فجل ما علموها خاطىء.

دار أيضا حديثا بيننا حول مولود معمري و مولود فرعون و كاتب ياسين و روايته نجمة. لنصل إلى أمين الزاوي و ياسمينة خضرة ،آسيا جبار، رشيد بوجدرة . و أحلام مستغانمي ….و آخرون .
بالحديث عن أحلام مستغانمي لأ أريدها أن تقرأ لها حبيبتي رواية الأسود يليق بي . فلأسود لن يليق بها. وحده البياض يليق بقلبها الأبيض.

مرت أكثر من ساعتين و نحن نتحادث .كان البائع مسرورا و لم يشعرني اني أعيق تجارته . مبتسما أخبرني ان آخر يوم تطرق إلى هذه المواضيع كان مع شاب من مدينة بجاية و قد باعه العديد من الكتب . واصفا إياه بأبيض البشرة و الوسيم. لطيف في كلامه . يحمل حقيبة ضهر ،يضع قبعة جميلة على رأسه…
لابد أنك المقصود يا صديقي وليد .

نعم دون شك ، إنه هو صديقي و إبن بلدتي . لا نتشابه كثيرا ،مختلفين في أمور عدة .لكن دوما يوجد ما يجمعنا و سيجمعنا . انه ذلك صديقي الذي شجعني لأكون ضيفك . نفسه أيضا من حذرني من سحر النايلية و جمالها.

قبل أن أغادر لأعود الى فندقي المتواضع . إشتريت بعضا من كتبه. إخترت أن أضيف الى مكتبتي الصغير جزئين من مقدمة إبن خلدون و كتاب لارنسطو تشي قيفارا أحد العظماء.المُؤَثِر بحياته و نضاله .

أشعر بحنين إليها .لكني أخاف من أن أقابلها مرة أخرى في مفترق الطرق . أرجوك غادر المحطة أيها السائق بسيارتك الصفراء.
أنطلق بي بعيدا عنها ، لكن لا توقضني من نومي أنت زبائنك فلعلي أحلم بها …
كانت حزينة في أحلامي .كانت لا شك حزينة هي أيضا لرحيلي . كانت حزينة لفراق لم يكتب له لقاء ….أردت أن أقول لها أشياء كثيرة لكن أحدهم أيقضني . إستيقضت لأجد نفي على مشارف مدينة بوسعادة .
كيف لى أن أكون قاسيا إلى هذه الدرجة لأبتعد عنك ايتها اللطيفة ؟
كيف لي أن أراعي شخصيتك الخجولة ؟
أيضا كيف لي أن أمر على مدينة العضماء ، بوابة الصحراء ، بلد السعادة و العضماء دون أن أتجول في أحيائك القديمة و أزقتك الضيقة .دون أن ألتقي بأصدقائي الفنانين و أرى أعمالهم الجديدة . دون أن أزور متحف ألفونسو أتيان ديني ام ناصر ديني كما أراد ان يسمى. وألتقي بالمشرفين على المتحف فقد صارو يتذكرونني ككل مرة . سأستمتع ببعض من أعماله . و سأرى لوحتي إسياخم …. توقف أيها السأئق فلا أريد الإبتعاد عنها أكثر .
ٱتجهت إلى فندقي متمنيا أن لا أجد غرفتي المعهودة قد حجزت .بالمناسبة لا تعتقدوا أني مالك الفندق عندما قلت فندقي . فقط كنت أقصد اني حللت فيه آخر مرة زرت فيها مدينة بوسعادة .
إنا محجوزة .
لا يهم ..فلتكن غرفة أخري بحمام. لا أكترث لحجمها و لا بشرفتها . و لا يهمني سريرها إن كان لشخص واحد ام لأثنين . لا أهتم حتى لوجود التلفاز و عدمه .و لا لنوعه و حجمه .. أحتاج فقط مصدر للكهرباء لأشحن هاتفي فأنا أنتظر رسالة .
رسالة منها .
فلا تنتظروا معرفة ما في الرسالة .
سيكون ذلك سرنا.

الوسوم

عبد المجيد مهني

فنان تشكيلي ،كاتب وكاريكاتيرست بجريدة "البلد" الجزائريّة. *متحصل على شهادة الدراسات الجامعية التطبيقية في الإعلام الآلي . جامعة عبدالرحمن ميرة. *متحصل على شهادة MBA option ingénieur commercial _université PGSM PARIS_INSIM Bejaia * ناشط جمعوي . * مهتم بالشؤون الثقافية و السياسية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الرحلة شيقة وما زادها تشويقا هو التفاصيل التي ارتحلت بنا بين المدح والشكر وحتى الثناء .

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: