الرأيثقافة

رؤية في حقيقة المستوى المتدني لتلاميذ ولاية الجلفة وأسبابه

واقع التعليم في المنطقة وضواحيها

تعاني ولاية الجلفة وضواحيها من تدني مستوى التعليم وتحصيله في أطواره الثلاثة: الابتدائي، المتوسط، والثانوي، مع تدهور مستمر على صعيد النتائج في الأقسام النهائية لا سيما شهادة البكالوريا، بوجودها في ذيل الترتيب الوطني بين الولايات كل سنة تقريبا، وبطبيعة الحال هذا يعود إلى جملة من الأسباب المتعدّدة التي تكتلت، لتعيق التعليم وتحول دون سيره وتطوره فكانت  هذه النتيجة الكارثية كما يصفها الجميع، وبعيدا عن تلك العوامل العامّة كضعف المناهج وقوانين وزارة التربية والعوائق المحليّة التعليم، واكراهات السياسات الدّولية وعدم قدرة مجتمعنا على التكيّف مع مستجدات العصر، أو ما يسمى بالعولمة.

فما هي الأسباب الرئيسة في ذلك؟ وما هي أهم المشاكل التي يعاني منها كل عناصر العملية التعليمة؟ وما هي الحلول التي قدّمها أهل الاختصاص لتحسين وضع ونتائج التعليم؟

نقص دور الأطراف الأساسية للعملية التعليمية أهم أسباب التدهور

اتَّفق أغلب الأساتذة ومستشاري التربية أنّه ينبغي تسليط الضّوء على ثلاثة أطراف أساسية التي يحويها الهيكل الاجتماعي والبيئي للمنطقة وهي: الطرف الأول ممثلا في أولياء التلاميذ، الطرف الثاني في المعلمين والأساتذة، والطرف الثالث وهو إدارة المؤسسة التعليمية.

إنّ عملية التعليم تبدأ من المنزل أسرة التلميذ على وجه التّحديد، وخاصّة الأولياء لأنّهم هم من يغرسوا بذرة العلم والتربيّة الأولى في نفس المتعلم ولا  تنمو تلك البذرة إلاّ من خلال المتابعة والاهتمام بتعلم التلميذ في المنزل، ومراقبة سير مساره العلمي في المؤسسة التعليمية، ليكون الأولياء على دراية بالمستوى الفكري والقدراتي والعلمي لأبنائهم، لذلك فمنطقتنا تعاني قصورا شديداً وملحوظا  من طرف الأولياء، لأنّ جل المؤسسات تعاني من غياب هذا العنصر المهم جدا، وهذه مشكلة خطيرة يعاني منها بقية أطراف العملية التعليمية، فقد وصل ببعض التلاميذ التغيب المتكرّر عن الحصص الرسمية للدروس بدون عذر، والبقاء خارج المؤسسة وعدم الرجوع للمنزل في نفس الوقت، والاتجاه إلى ما قد يفسد أخلاقهم ويضيع مستقبلهم، وذلك طبعا دون دراية الأهل في كثير من الأحيان، وتشترك في هذه المشكلة لجانب الأولياء إدارة المؤسسة لأنّها مسؤولة عن التبليغ بالغياب من خلال مراسلة الولي واتخاذ الإجراءات الصّارمة التي تمنع من تكرار هذه الظاهرة وتحدّ منها، فهذا النوع من التلاميذ غالبا ما يؤثِّر سلبا على زملائه داخل حجرة الدرس، كما أنّ الإدارة هي المسير الأساسي لعملية التعليم بما توفره من نظام وانضباط داخل المؤسسة والحفاظ عليها من خلال تحقيق الصرامة، وتوفير النظافة والترميم، وتنظيم بعض النشاطات الثقافية والفكرية والرياضية، التي تعزّز التعلم فيكون هناك انسجام داخل المؤسسة، وطبعا هذا غائب في أغلب المؤسسات التعليمية بالجلفة، لكونها تعاني من الركود الثقافي والرياضي والحزم في النظام، والكثير منها يعاني من التسيب الإداري، ويتلاعب في نتائج بعض التلاميذ، ويقوم بتغييرها لمصالح شخصية، والتلميذ وحده من يحصد نتيجة الغش والتساهل في حقيقة مستواه العلمي.

وهناك عائقا آخر متعلّق بمستوى بعض المعلمين والأساتذة، خاصّة أولئك الذين يعانون قصورا في التكوين، وضعفا في المستوى العلمي الأكاديمي والجامعي، وأيضا لعدم دعمهم بالدورات التكوينية المناسبة التي يشرف عنها المفتشون والمختصون. إلى جانب التلاعب بمسابقات التوظيف للأساتذة فيدخل لقطاع التعليم من هم ليسوا بأهل له، فينتشر الفساد الفكري والغش والكثير من المظاهر السلبية التي تنخر هذا الحقل السامي للوطن،مع وجود مشكلة تنقل الأساتذة الذين يعملون في مناطق بعيدة عن مقرِّ إقامتهم مما ينجم عنه كثرة الغياب خاصة أيام الشتاء، وأيضا التحول المستمر للمعلمين في المناطق النائية التابعة لولاية الجلفة، فيرتد سلبا على التحصيل العلمي للتلاميذ، كذلك كثرة الإضرابات خلال الموسم الدراسي خاصّة في الطور الثانوي.

ونتيجة لاجتماع هذه الأسباب من إهمال الأولياء ونقص تأطير الأساتذة وعدم صرامة إدارة المؤسسات والتهاون في أداء المهام لكل مسؤول داخل عملية التعلِّيم مهما كان دوره مهما أو بسيطا، ونقص الوعي الثقافي بأهمية التعلّم، مع انتشار بعض الأفكار التي تفسد مجتمعنا وتدهور المستوى الدراسي والعلمي لأبناء ولاية الجلفة، وذلك بحكم أنّ التلميذ غير راشد ولا يزال في طور التربية والتعليم لتكوين شخصيته ليكون فردا صالحا لنفسه ومجتمعه ووطنه.

محاولة بعض الجهات المعنية بإيجاد الحلول

أولى الإصلاحات التي عنيت بالتعليم في الجزائر عامّة كان من خلال إصلاح المناهج التربوية من قبل وزارة التربية والتعليم وفقا لمقاييس محدّدة، إلاّ أنّها لا تتماشى مع الواقع المطلوب ولم تنطلق من صلب احتياجات المجتمع الجزائري، فكانت النتيجة تدهور في مستوى وقيمة التعليم رغم كل الأرقام الإحصائية التي نراها في نتائج الأقسام النهائية أغلبها مزورة.

ونجد بعض المؤسسات في ولاية الجلفة اتبعت استراتيجيات مستحدثة لتطوير التعليم، وتحصيل النتائج المرجوة ومثال ذلك بعض المتوسطات مثل متوسطة الشهيد بوهالي زيان فيض البطمة، والثانويات التي تعمل على وضع مشاريع تطويرية يشترك فيها طاقم المؤسسة مع التلاميذ والأساتذة لخلق نوع من التآلف في العمل التعليمي، إلا أن هذا لم يحقق المطلوب بشكل كلي لأنّ مشكلة التعليم جذرية وأكبر من أن تحويها مؤسسة، فهي مشكلة دولة لأنّها هي من تتابعه بالوعي والإصلاح الشامل المبني على أسسه الفكرية والعقائدية ويخدم أهدافه المنشودة من التعليم.

اقتراحات ورؤى تساعد في نفض غبار الركود والتأخر

علينا  بذل جهود كبيرة لرفع الروح المعنوية وتحفيز العاملين في المؤسسات التعليمية والتربوية، مع تشجيع برامج التعليم الأسري والاعتماد على الأسرة كنواة أولى لتعليم الأطفال وغرس حب العلم في نفوسهم، خلال السنوات المبكرة، مع تمثيل الآباء بصورة أكبر في الأجهزة الإدارية وإيجاد ممثلين لهم في الإدارات المحلية للتعليم كمراقبين على العملية التعليمية، ومساهمين في وضع تصورات مناسبة لإزالة المعوقات التي تواجه التلاميذ، بالإضافة إلى تقديم مساعدات جيدة للتلاميذ الذين لديهم مشاكل سلوكية وتحاشي فصلهم عن مؤسسة تعليمه، مع وضع برامج تربوية ونفسية لتحسين سلوكياتهم، وتقويمها بالاشتراك مع أوليائهم، وتحت الجهات الوصيَّة.

إنَّ المعلمين الأكفاء الذين يستخدمون أكثر الطرق المؤثرة على المتعلمين، هم العامل الأساسي الذي يساعد على تحقيق أعلى المستويات، ومن ثمَّ يُعتبرون استثمارا وطنيا مهما، لذلك لابد من تطبيق إجراءات صارمة على المدارس والمعلمين من أجل التطور ورفع المستويات من خلال موازنة حكيمة بين إجراءات  الضغط على المدارس والدعم لها، مع التدخل في حالة سوء الأداء، وكون التدخل متناسبا بشكل عكسي مع مقدار النجاح، ووضع حلول سريعة وجذرية لمعالجة أوجه القصور المؤسسي، التركيز على تدريب المعلمين على رأس العمل وإعطاء هذا الأمر أولوية كبيرة على كافة المستويات.

إنَّ الإنسان هو الثروة الحقيقية لأية أمّة تطمح لبناء حضارة متطورة وقويّة، وهذه الثروة مخزنة في المدارس وعليه فإنّ الاستثمار في مجال التعليم في القرن الحادي والعشرين أهم من الاستثمار في مجال الآلات والابتكارات الفنية الذي كان ضروريا لأول ثورة صناعية كبرى، حيث ساد رأس المال المادي والآن يسيطر رأس المال البشري.

نتيجة لما سبق على السياسات الإصلاحية منح الفرصة لكل الفاعلين في عمليّة الإصلاح لاسيما المجتمع المحلي (الأباء، رؤساء المؤسسات التعليمية، المعلمون) إنّ الالتزام القويّ لهؤلاء بعملية الإصلاح يقود إلى النجاح، لكن العكس هو الذي حدث في الجلفة، حيث تغيّب دور هؤلاء الفاعلين الحقيقيين.

نقلا عن جريدة الجلفة/ نفس الكاتبة بالتصرف

د.نور الهدى بكاي

دكتوراه في السيميائيات وتكنولوجيا التواصل والإعلام و أستاذة لغة عربية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: