ثقافة

دعاء الغوطي تكتب: هذا الليل


لطالما كان الليل صمام الأمان خاصتي، لا أدري متى تحول الأمر دفعةً واحدةً فجأة وأصبح جحيمي الخاص. وحش السرير الكاسر، شبح الليل القاتم، صفير الرياح الخافت، ظلّ الثياب المتأرجحة، صوت القطط المفزعة، حركة الستائر الوالهة، خيالات العتمة الحالكة، كيف حدث وأن بات إغماض عينيّ ودفن رأسي سبيلي الوحيد للخلاص، كيف باتت متعتي بساعات الليل الخاص جحيماً مهلكاً، كيف بات انتظار السماء الداكنة لأخلو بنفسي اضطراباً يفتت عظامي، كيف بات جسدي لا يحتمل ساعات الليل، كيف أصبحت أعصابي تنفلت ولا أقوى على التحكم بي في لحظةٍ ما من هزيع الليل الأخير.
إن استجداء النوم لأطرد خيالاتي الجامحة بات مرهقاً، نومٌ مضطربٌ متقطع، لا تكاد تمر ساعةً إلا وأجدني أفكر كيفَ لي أن أنام مجدداً، عذابٌ يسحق أضلعي، أستجدي أمنية النوم بصعوبةٍ بالغة، وما إن يرحب جسدي بالنوم، يلفظ عقلي الفكرة فرِحاً بأنّي على وشك النعاس، فتتيقظ حواسي مرةً أخرى، لنعيد استجداء صحراءِ النوم القاحلة، حتى أخرّ متهالكةً على نفسي من التعب في نومٍ قلِق لا يسمن ولا يغني من جوع. متى وجد الخوف سبيله إليّ، وكيف تحولت أنت من بطلي إلى جحيمي، كيف تحولت كل سنبلات حقولي إلى فزاعاتٍ مرعبة، وفراشة العمر تطاردني ببشاعة، أكبُر، ولا يكبر فيّ سوى خوفي، وخوفي من خوفي . هذا الليل يمضغ قلبي بطريقةٍ فاجرة، مُتكلّفة، بطيئة، مُميتة، كما لو كان طبقاً قُدّم في عَشاءٍ فاخر، مُترف، وعلى شرف جراحي النّازفات – حضورٌ غير مرَحبٍ به – ، كما هو الحال، دائمًا . عمري ساقيته اللعوب ، ودمي يشربه نخباً مرّاً لعذاباتي الصغيرة، المُفجعة، الهاربة من جنح الخيال. آهٍ لو أن هذا الليل يبلعني، دفعةً واحدة، بلا رغبةٍ في التقيؤ .

ــــــــــــــ
هامش تحريري: الصورة المرفقة للفنانة Maja Lindberg، موقعها على الشبكة: www.majali.se

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: