الرأي

حصة تعارف مع أخي الجزائري الآخر…

انت احمل ثقافتك معك، انا سأحمل هويتي معي، وسنقيم ثورة معا

أخي، الجزائري الآخر…
الجزائر قبل ان تكون بلدا، ودولة قطرية ذات سيادة، فهي اكليل من الألوان الثقافية، باقة من الاختلافات والهويات، يحويها كلها ودون استثناء مداها الجغرافي الشاسع، والذي كان، وسيظل كذلك دونما شك، منطقة عبور لحضارات الانسانية عبر الازمان، والذي تترجم من بعد ذلك في كم هائل من الترسبات التاريخية.

حراكنا أنا وأنت، حراك ذو مطلب سياسي في المقام الاول، ولكنه أيضا تواصل مع الآخر الذي وراء الحدود، نحن نخبر العالم من نحن في كل جمعة، نحن نجعل الشعوب تكتشفنا أخيرا، اذ ترى من خلالنا كيف هي الجزائر بعيدا عن نظام عجوز بائس، بعيدا عن مسؤولين يسببون لنا الاحراج في كل محفل، بعيدا عن قضايا الفساد الدولية، وعن فكرة عشرية الإرهاب، عن تيقنتورين، عن ظاهرة الحراقة، عن البطولة الوطنية الفاشلة، بعيدا عن نوعية صورة كنال الجيري الرديئة…

أخبرنا الآخر البعيد بكل هذا، والاعلام العالمي يقر بانه فهم خطابنا له، لذا تعال اخي الجزائري لنحتفل سوية بهذا الإنجاز… لكن… من انت كي تمد لي يدك لنتصافح ونحتفل؟ هل سبق وان تعارفنا؟

الواقع يقول بأننا على ما يبدو سارعنا الى التواصل مع الآخر دون ان نتذكر اننا لم يسبق وأن تواصلنا فيما بيننا.

لقد التقينا فجأة في ساحات وشوارع الجزائر، فاستغربت انا منك واستغربت انت مني…
نحن أجانب فيما بننا فلم يسبق ان التقينا او ان اتفقنا على امر ما…
لماذا لا تشبهني ولا اشبهك؟ ولماذا خرجنا نطلب نفس الحاجة؟…
فلنسترح هنيهة قبل مواصلة ثورتنا معا، فالفرصة سانحة لكي نتعارف…

اخي الجزائري الاخر،
انت اعمق من تقول لي باننا التقينا سابقا في المقاهي والمواصلات العامة، فان اللقاءات الجسدية لاحدث عندما يتعلق الامر بمشيئات الجماعات واقدار الشعوب، اللقاء الحق لقاء القضايا والمبادئ والثورات…

لقد التقينا اليوم وقد اتفقنا في لا وعينا حول المنتهى، فلم يبق لنا سوى ضبط بعض المعطيات كي نتفق على المنطلق، وبما ان الوقت يداهمنا ونحن في عز أيام الثورة، فهذه قائمة واجباتك وواجباتي كي نتعارف سريعا ونواصل مسارنا:

انه لمن الواجب ان نخبر بعضنا البعض، اليوم قبل الغد، باننا نشترك في كوننا جزائريون في جنسيتنا وانتسابنا كمواطنين، دون ان نشترك بالضرورة في ثقافاتنا وافكارنا ولغتنا ولساننا وبشرتنا وحركاتنا ولون عيوننا…

لذا وجب عليك أيضا ان تخبرني ان علمي الامازيغي ليس خطيئة اذ يقاسم السماء علم الدولة الجزائرية وسط الحراك، بل هو تتمة له، فمن واجبي عندها ان افعل المثل بخصوص رايتك النايلية، ثم من واجبنا انا وانت الا تخدش مشاعرنا اذا ظهر لنا هنالك بعيدا في افق المسيرات علم الشاوية، او رمز الطوارق، او العباية المزابية…
وكي ننتهي الى فكرة جامعة، وجب علينا ان نتفق، انا وانت، حتى لو لم تفهم لغتي، بان نعمل على تنقية لا وعينا من بقايا الحزب الواحد، ومن ثم التخلص من بقايا الجزائر الشمولية الاشتراكية سياسيا وفكريا وثقافيا.

فلو وسوس لك احدهم من المحسوبين على فترة الحزب الواحد، او أصحاب الترسبات والبقايا، او من تم تغليطهم بمنطق الوحدة الوطنية، او اذا ما زطط او نكز او عدلن عليك احدهم، اخبره ان العلم السياسي والوطني الجزائري شيء، والثقافة والفكر شيء آخر لا يمثل مشروعا سياسيا، فلا مجال للمنافسة بينهما، اخبره بان وجه الشبه الوحيد بينهما هو قطعة القماش، ثم اخبره أيضا ان الجزائر ليست قطر ولا اللوكسمبورغ، فالجزائر قارة مترامية الأطراف، فحق عليها ان تتنوع وان تختلف من منطقة الى أخرى، من ولاية الى ولاية، ومن دماغ الى دماغ…

اما ان اخبروك ان ثورتنا ثورة سياسية وان هدفنا هو بناء جزائر الكرامة و الحريات وان مواضيع الاختلاف والثقافات ستأتي فيما بعد، فاخبره اننا سنقوم بكل الثورات في ثورة واحدة كي نربح الوقت ونسرع في اللحاق بركب الدول المتقدمة، بل اخبره ان الثورات السياسية ان لم تواكبها بقية الثورات الجانبية فخي فاشلة لا محالة، فكرامتي لن يضمنها سياسي لوحده ان لم تضمنها انت لي باحترامك لي، وحريتك لن يكفلها دستور كتبه قيادي ان لم اتقبل انا ثقافتك وفكرك ولون بشرتك وعيونك.

اخي الجزائري الاخر،
انا وانت لن نخجل في استعراض اعلامنا وثقافتنا ولغاتنا في كل مسيرة وكل ملتقى وكل محفل، لن اشعر بانك تنافسني، ولن تشعر بأنني اخون ثورتنا، فقد اتفقنا مسبقا على اهدافنا ومنتهانا حتى قبل ان نتعارف، فان حملت انت هويتك مجسدة في علم ما، واستعرضت انا ثقافتي متجسدة في لون ما، ثم سرنا معا من البريد المركزي الى ساحة اودان، فاننا قد اخبرنا النظام والعالم باسره باننا متمسكون باختلافنا بقدر تمسكنا بثورتنا، واننا اتفقنا ألا تذوب انت في وألا انصهر انا فيك.

بدءا من غد، انت وانا، سنتفق على تجاوز شكلية غلطونا فيها، وسنرفع كل الاعلام وكل الثقافات، ثم سنسير جنبا لجنب، من ساحة الاشتراكية الفكرية الى ساحة التنوع والاختلاف، كي نطيح بالعصابة أولا ولكي نسقط بقايا الفكر الواحد ثانيا.

الوسوم

ماسينيسا تيبلالي

كاتب و روائي فنان تشكيلي و كاريكاتوريست ، متخرج من جامعة عبد الرحمن ميرة ببجاية في العلوم التجارية و المالية قبل أن يتوجه إلى دراسة الفنون التشكيلية ، حاصل على جائزة محمد إسياخم و جائزة أربوست الفرنسية مرتين في الفنون التشكيلية ، إشتغل في الكاريكاتور و الكرتون ، كما أسهم في عدة مسرحيات في باريس و فلم سنمائي فرنسي حول الحرب العالمية الأولى . و له إسهامات في العديد من المجلات العالمية . و قد صدرت له رواية تلمود نرت .

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: