صحة ومجتمع

حدث مرةً في الحافلة

صعدتُ الحافلة مثل كلِّ يومٍ، ذاهبةٌ إلى العمل، جلست بجوار النافذة، أنظر وأشاهد، هنالك ضبابٌ كثيفٌ، الجوّ باردٌ جداً، كبرودة الأيام. وضعتُ سماعتي في أذنيَّ، أصغي إلى الموسيقى، حتى لا أستمع إلى حديث الركاب، وأتخلّص سريعاً من ثرترتهم. تحرّكت الحافلة ببطءٍ شديد كعادتها، تتهادى بيّ يميناً وشمالاً، تم توقفت لثوانٍ معدودة، صعدتْ عجوزٌ هزيلة، ضهرها منحنٍ، تعتليّ الدرجات بصعوبة بالغة، وتلهثُ وهي تحمل حقيبة كبيرة، بالكاد تحرّكها، مسكتُ يدها، لكي تجلس بجواري،
قالت: شكراً يابنتي بوركت.
قلتُ: لا شكرا على واجب يا أمي.
قالت: الي أين تذهبين؟
قلت: إلى العمل.
قالت: آه، جميل. أعانك الله.
قلت: أنتِ يا أمي الي أين تذهبين مع هاته الحقيبة هل أنتِ مسافرة؟ ّ
سكت لبرهة ثم قالت: لا أعلم ثم انهارتْ بالبكاء والدموع على وجنتيّها مثل السيول التي تجري على الأخاديد التي حفرها الزمن على وجهها.
سألتها عن أولادها؟
قالت : ياليت ليّ مكاناً آوي إليه، ياليتني كنتُ عاقراً. إنّ زوجة إبني طردتني، نعم، لقد طُردتُ  من بيتي الذي بنيته في كل سنين عمري، وضعتهُ بيدي، طوبة طوبة!
نزلت دموعي من هول المشهد، قسوةٌ مؤلمة تقع على مسنّة ضعيفة.
أكملت: حسبي الله ونعم الوكيل. ورفعت يدها إلى السماء، هنالك ربٌ كريم.
وحتى أذبب النّار التي تلفح قلبها، قبّلتُ يدها وجبهتها بشفتين مرتعشتين،  ومسحت على وجهها برفق.
صمتت قليلاً ثم قالت: شكراً لك يابنيتي، لقد خففت عن كاهلي، لقد ارتحتُ بالفضفضة، سامحيني لأنّي شغلتك بقصتي. رددت عليها على الفور: لا يا أمي، لا يوجد إزعاج.
توقفت الحافلة قربَ مكان العمل، ودّعتها على عجلٍ، نزلتُ وفي القلب جرحٌ ينزف، وعلى الحلق غصة لا تُشفى.

ــــــــــــــــــــــــ
هامش: اللوحة المرفقة بعنوان “الأمّ العظيمة” للرسّام الإيراني الواقعي مرتضى كتوزيان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: