الرأي

جريمة مع سبق الإصرار والترصد

قد نحاول مرات ومرات كسر القانون الشهير في علم النفس، “قانون التنافر المعرفي الإدراكي”، الذي تعود جذوره الأولى إلى عام 1955 تنبأت مجموعة مسيحيّة بأنّ الساعة ستقوم في يوم محدّد من هذا العام، سمع بهذا الخبر العالِم ليون فيستنغر، فانضم إلى هذه الجماعة وبدأ بممارسة الطقوس والشعائر الخاصة بهم، وهذا من أجل دراسة حال أعضاء الجماعة قبل موعد النبوءة وبعدها، وتأثير ذلك على سلوكهم وتفكيرهم، بعد أن وصلت ساعة الحسم لقيام الساعة، انتظر الجميع وكانوا بالمئات؛ لكنّ الساعة لم تقم.
بعد دقائق ظهرت القيادة، لتقول: إنّ الرب قد رحم العالم وأجّل قيامها إلى وقت لاحق. استمر أعضاء الجماعة في إيمانهم بعقيدتهم، وزال توترهم في انتظار تحديد موعدٍ لاحق لقيام الساعة.
بعد هذه التجربة ألّف العالم ليون كتابه “عندما تفشل النبوءة”، وفيه “قانون التنافر المعرفي الإدراكي”، وهو الحالة التي تحدثُ لشخصٍ عندما يقع في موقف يتعارض فيه إدراكه مع معرفته، أيّ بين ما يدركه في واقعه، وبين ما يؤمن به. وهنا وجدَ ليون، أنّ الكثير من الناس سيبحثون عن مبرّرات مهما كانت سخيفة كذريعة للبقاء على ما يؤمنون به، وتبرير الواقع العيني بالتأجيل الغيبي، فعقل الإنسان لا يحتمل التناقض والحيرة طويلاً، فلكي يعود إلى استقراره وطمأنينته يسعى للتخلص بسرعة من اضطرابه وفقاً لهذا القانون، إذّ  لا يستطيع هذا النوع من الأشخاص أن يصدّق انّه عاش و ضحى من أجل وهم كبير.
باسقاط ما سبق على ما يلي، لا يبدو أن لعنة الصحفي السعودي جمال خاشقجي ستبقى لصيقة بجدران القنصلية السعودية بتركيا إلى الأبد. فلقد كتبت “نيويورك تايمز” أنّ الرياض طلبت من المحكمة العليا الأمريكية حماية حُرمة سفاراتها وقنصلياتها قبيل مقتل جمال خاشقجي، فكأنّنا بتنا ننظر إلى المجموعة التي خطّطت لهذه العملية، ربما سيكون من السهل لأيّ متتبع للقضية أن يستنبط مراد “الجماعة” من حماية حرمة السفارات والقنصليات التستّر السابق على جُرمٍ سيقع لاحقاً، فرسّخوا من حيث لا يعلمون نوعاً من الشكوك حيالهم.

إنّ التوقيت الذي سُرّبت فيه هذه المعلومة لصحيفة “نيويورك تايمز” يبدو ملغماً للغاية، ويعجّ بالدلالات الجنائيّة، فهل يعتبر هذا التوقيت؛ هو التوقيت المثالي أم أن الأجهزة الأمنية الأمريكية، وبعد عودة رئيسة “سي إي أي” بخُفي حنين من تركيا، وقد استنفدت كل أوراقها للضغط على المملكة، ولم يبق لها إلا هذا التصريح.
الوسوم

عبد الحميد بوعبدلي

إقتصادي مهتمٌ بالقضايا الدوليّة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: