صحة ومجتمع

التسوّل في الجلفة: “الله غالب عليَّ” قالت فطوم بدموع حبيسة وقلب مجروح.

إعداد: سهام زيّان، سارة هبة ساسي.

التسوّل ظاهره إجتماعيّة، انتشرت مؤخراً في كل أنحاء العالم ليس في الجزائر فقط، غير أنّها تكون اختياريّة في أميركا مثلاً، إذ يختار بعض الأشخاص أن يكونوا كذلك في سان فرنسيسكو مثلاً، يسمون بـ “الهوملس”، ويعتبرون الورثة العصريين لـ “الهيبيز” في ستينيّات أميركا وبريطانيا، غير أنّ الأمر مختلفٌ عندنا تماماً، إذ إنّ التسوّل عندنا دافعهُ الأول والأخير هو الفقر، أو استخدام الفقر ذريعةً للتكسّب، ودن أيّ سببٍ ثقافي أو إيديولوجي كما لدى “الهوملس” و”الهيبيز”، الذين لا يتسوّلون كلهم، بقدر ما يعتقدون بما هو مختلف عن الأخلاق التقليديّة للبشر. هذه الآفات (التسوّل…) أخذت منحنىً تصاعدياً بشكلٍ خطيرٍ وأصبحت مهنة من لا مهنة له.

ساحة محمد بوضياف (الجلفة):

ففي ساحة محمد بوضياف وسط ولاية الجلفة، هناك الكثيرُ من المتسوّلين في كل الطرق والأزقة والأروقة الجانبيّة، وعلى قوارع الطرق وبين منصات الجلوس، وعلى حواف المقاهي وقربَ البيوت، فيما الأكثريّة في الشوارع الرئيسة، تلك الرابطة بين الطرق الصغرى والدهاليز الضيقة، بسبب تواجد المارة، وكثرة المحسنين، ويبقي المكان المفضّل هو المساجد، حيث يتركّز المتسوّلون ويجتمعون كالعضلة على أبواب الجوامع بقوّة وكثرة وجلّهنّ نساءٌ؛ يقمّن باستعطاف الناس بكل الطرق المعهودة وبمختلف الوسائل، منهنّ من تستعمل الأطفال الصغار لجلب العطف، منهنّ من تستعمل عاهات صغارها بغيةَ مساعدتهم في شراء الدواء مثلا، منهنّ  من تتسوّل السبل الدينيّة فتعملنَ على ترتيل القرآن واستحضار الله في الطلب، ومنهنّ من تجلس إلى جانب عائلتها في العراء تتكفّف المارّة. الأكثريّة الساحقة من المتسولين هنّ نساءُ، يجلسن على الأرصفة بجاور المطاعم أحياناً ويترصدن العوائل والراجلين على حدّ سواء.

في الوسط الجلفاوي ومن أجل متابعة هذه الظاهرة، نزلنا وسط البلاد، كان هناك محلٌ يبيع الحلويات التقليدية، بالقرب منهُ تجلس امرأة مسنّة دائماً في ذلك مكان، تضع منديلاً على الأرض وتبسطهُ، فيه بعض الدنانير.. اقتربنا منها لكي نسألها عن حالها وأسباب تسوّلها، في بادئ الأمر رفضت التحدث، إذ خشيت على نفسها من الأذيّة، ثم شيئاً فشيئاً، ارتاحت لنا..
سألناها عن اسمها قالت: فطوم.
– لماذا تتسوّلين يا فطوم؟
– أنا  أرملة، توفي زوجي. لم يترك لنا باب رزقٍ أو مدخولٍ شهري، يقيّنا من فرط الجوع وضيق الحال.
– هل لديك أولاد؟
– نعم لديَّ ولدان متزوّجان، منشغلانِ بعوائلهما،لا يسألان عنّي، ولا يزوراني البتة.
وعلى جانبها تماماً، تجلس ابنتها الكفيفة التي تعمل على رعايتها رغم سنّها المتقدّمة وأتعاب عمرها، تصرف عليها  ممّا تحصّلهُ من فتات التسوّل.
قالت: خرجت إلي الشارع لمدّ يديّ لكي أتسوّل، من أجل جمع “حق الأكل والشرب فقط”.
لكي لا أموت مع ابنتي من الجوع.
تتكلّم فطوم والخجل بادٍ على وجهها وعدم رضاها عن هذاظ الوضع، لكن ما باليد حيل! كما قالت هيا الله غالب عليَّ، قالت فطوم.
ثم أردفت قائلةً: لقد سألت إمام المسجد عن حكم مدّ اليد والتسول في الشارع؛ أحلالٌ هو أم حرام؟
تقول فطوم لو كان ليّ دخلٌ شهري ولو كان قليلاً ما تسوّلت في الشارع.
لا تعرف فطوم عمرها بالضبط، لكنّها أبانت عن مسؤوليّة أخلاقيّة عالية تجاه ما تفعل بخجلٍ، إنّها لا تقوى على العمل، ولا تُقاوم الجوع، ولا تستطيع أن ترى ابنتها الكفيفة محلّ ضياعٍ وجوعٍ شديدين..
أين الدولة من كلّ هذا؟

الوسوم

البلد

صحيفة "البلد"، جريدة إلكترونية جزائريّة شاملة، تهتم بالشؤون السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والرياضيّة والاجتماعيّة، الوطنيّة والدوليّة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: