ثقافة

الأم العذراء


مرحبا روان بنيّتي التي لم تتكوّن بعد، أنا والدتک.. حسنًا سأحكي لكِ عن أمك المجنونة قليلا، أنا الآن أبلغ من العمر عشرين. أدرس في الجامعة سنتي الثالثة والأخيرة، قريبًا سأتخرج ولا أدري ماذا سأفعل بعدها.. أنا الآن أمام حاسوبي الخردة المهترئ أفكر بک لؤلؤتي الصغيرة وأكتب لک. في البيت هنا؛ إمساك الهاتف أو الجلوس خلف الحاسوب أو سماع القليل من الموسيقى الهادئة جريمة بالنسبة لهم. بصعوبة كبيرة أنا أكتب، لكنني يا بنيتي عنيدة هه عنيدة فوق ما تتصورين، إنني رغمًا عنهم كل يوم أجلس أمام الحاسوب وأكتب، أكتب حتى التعب، لقد تكوّم السواد تحت عيني لو تريني. أمك يا عزيزتي لطالما كانت أحلامها بسيطة، كل ما أتمناه القليل من الخصوصية؛ غرفة صغيرة بضوءٍ خافت، ومكتب وحاسوبي القديم، وخزانة صغيرة أضع فيها ملابسي غير الأنيقة ولا الأنثوية كثيرًا ههه
.. طلاء غرفتي سيكون باللون الأزرق الفاتح، لون السماء. أما لون السقف سيكون أزرق غامق، لأضع عليه الكثير من النجوم و الأضواء. أما الجدار الذي عليه مكتبتي وكتبي وخزانتي، سيكون مليئًا بالملصقات والصور والالوان والرسومات والمقتبسات المفضلة لدي.. كل ما أتمناه أن أصنع عالما خاصا بي وأظنه حقًا من حقوقي.
يبدو هذا صعبًا في بيت جدّك يا بنيتي. الآن أنا راضية بما أنا عليه و أحاول التأقلم في هذا الجو البائس، التقليدي، المعقد، الخانق للأنفاس، لكنّي قد وعدت نفسي و ها أنا أعدك الآن لؤلؤتي.. أعدك بحياة رائعة! ستكون لك غرفتك الخاصة وعالمك الخاص وحاسوبك غيـــرُ المزوّد بالانترنت طبعا، سنتحدث في هذا لاحقا عزيزتي، يمكنك الكتابة عليه أو اللعب أو المطالعة فقط، و الأهم بالنسبة ليّ؛ أن ازرع فيك حب الإسلام، سأعلّمك الصلاة وقراءة القرآن من صغرك، لا تتهاوني أبدا في دينك ولا تضيعي صلاتك عزيزتي مهما كانت الظروف..
سأشتري لك الكثير، الكثيييير من الكتب، سأبعدك عن الجنس الآخر بكل ما أستطيع، ولا أسمح لأيّ كان أن يكسر قلبك. ستكونين ملكة في غرفتك، وفي منزلك لؤلؤتي؛ سنتشارك الرأي في أي شئ.. ويالحظي وحظك إنْ أصبحتِ كاتبة!! ستوفرين الكثير على قلبك من عبء. الكتابة شئ رائع، شعورٌ عميقُ بأنّك تملكين صديقا وفيا، صادقا، مُصغيًا،حسّاس بالذي في داخلك، أتفهمين ما أقصد !؟ الكتابة تغنيک عن الكل، ستكبرين و تفهمين جيدًا ما أقصد.
اتعلمين بأنّه لطالما تخيّلتك: كيف سيكون شكلك ياترى!! تشبهينني!! أم تشبهين والدك الذي لم أره بعدٌ، ههه هذا جنوني..

 

بعض الشئ؛ أعلم. اضحكي اضحكي أيتها الشقية، إنّ لديك أم مجنونة ويالحظك بها..
تراودني أفكار غريبة، مثلاً: ماذا لو انجبتك ومت بعد الولادة! و لم تريني قط! على الأقل تبقى كتاباتي، و تقرأين لي، لكي تشعرين بيّ يا بنيتي..
اطمئني لؤلؤتي، ستكون لك حياة رائعة برفقتي، سأكون صديقتك الوفية المجنونة الحنونة المصغيّة لتفاهاتك، الكتومة لأسرارك. سأكون لک كل شئ وتكونين لي كل شئ ..
أحبک
أمك المجنونة..
20/07/2018
ــــــــــــــــــــــــــ
هامش تحريري: اللوحة أعلى النص؛ للصحفي والفنان والكاريكاتيرست في موقع “ألجيري فيزيون”: عبد المجيد مهنّي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: